الواجهةمجرد رأي

خطبة الجمعة و”التيفو”…!!

 

مسرور المراكشي :

_ جماهير”التيفو”و جموع المصلين :

قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد أولا من شرح مصطلح”التيفو”و دلالته، إنه ينتمي لعالم الرياضة وبالضبط لقاموس كرة القدم، وهو عبارة عن شعار يكتب في مدرجات الملاعب، بواسطة الآلاف من الجماهير كل يحمل فوق رأسه قطعة من قماش، أو من بلاستيك أو من ورق مقوى و بألوان مختلفة، في النهاية ترسم لوحة ذات بعد سياسي أو ثقافي، الآن بعد توضيح المقصود بـ( التيفو) نطرح التساؤل التالي : ما علاقة هذا الأخير بخطب جمعة ( تسديد التبليغ )…؟ في الحقيقة هناك نقاط تشابه و اختلاف كذلك، إن من أهم نقاط التشابه بين الفريقين، هي الجماهيرية حيث يحضر الآلاف لتتبع خطب الجمعة، وهو نفس الشيء بالنسبة لمتابعي مباريات كرة القدم، كما تغطي خطب الجمعة كل مساجد الوطن، وهو نفس الأمر كذلك بالنسبة لملاعب كرة القدم، أما عن نقاط الاختلاف الرئيسة بين الطرفين، فهي تكمن في مساحة الحرية عند جماهير”التيفو”، التي تؤطرها الجمعيات الرياضية ( الألتراس )، مقارنة بجموع المصلين رواد خطب جمعة”تسديد التبليغ”، إن الشعوب الحرة هي من تكتب التاريخ، وتلتحف بوشاح العز والكرامة و المجد التليد، أما العبيد فهم عبيد كما قال الشاعر البطل عنترة بن شداد : ( العبد لا يحسن الكرّ، إنما يحسن الحلب و الصرّ )، حيث رفض القتال و هو عبد حتى قال له أبوه : (كرّ وأنت حرّ! )، عندها قاتل بشراسة بعد نيله حريته…

_ كلمة”من لغا ” تسكت جموع المصلين..!!

في نظري أن جماهير “التيفو” عندهم حرية التعبير أكبر، لقد حاولت وزارة الداخلية الحد من هذه الحرية، حيث منعت ترديد أغنية ( في بلاي ظلموني ) عند بدايتها، لكن إصرار”الألتراس”على ترديدها بشكل جماهيري، أفشل مساعي الداخلية في منعها وطنيا،. بل تلقفتها جماهير العالم العربي و رددها الملايين، وسبب انتشارها واضح لأنها ببساطة تلامس هموم الشعوب العربية و الإسلامية، ثم تدخلت وزارة الداخلية من جديد لمن رفع “التيفو”، قالت : لأسباب”أخلاقية” (إيوا الله يجعلني نثيق )، بلا مراوغة إن السبب الحقيقي في رأيي سياسي، بعد رفع “تيفوهات” تحمل دلالات سياسية واضحة، وبعد صراع مع”الألتراس” تنازلت الداخلية أخيرا، و طالبت فقط بتسليمها مضمون “التيفو” بـ 48 ساعة قبل إعلانه، لكن جماهير”الألتراس” رفضت هذا الشرط كذلك، و أصرت على احترام عرف السرية في رفع”التيفو”، بعدها استسلمت الداخلية وبقي الأمر كما كان من قبل، لأن شعب”التيفو” أراد يوما الحياة..!!، كما أن الجماهير تحتج على ظلم الحكم والتحكيم دون تردد، لأن حاجز”من لغا ” بقي صداه يتردد فقط بين حيطان المساجد، بينما الجماهير لها كامل الحرية في مدرجات الملاعب…. باختصار مدرجات الملاعب أكثر رحابة و سعة صدر، من مساجد الأوقاف و خطب الجمعة الغارقة في الشكليات، والشعب يتساءل متى تستعيد المنابر حريتها..؟

_ رأيت الشعب الحي في مدرجات الملاعب…

نعم هذه حقيقة مرة مع الأسف الشديد، أن يكون الشعب حيا في المدرجات و ميتا في المساجد، لكن هذا الواقع لا يحتمل التجميل كما يقول المغاربة : ( الزواق يطير )، وكتاب خطب الجمعة ظاهر من عنوانه، كما يقول المثل المغربي: ( لعشا الزين من العصر تعطيك ريحتو.. )،
عندما يتم التركيز فقط على منطق”من لغا ” و تكرارها منذ سنين، حتى حفظها المصلين عن ظهر قلب من فرط طرقها مسامعهم، ولم يسمعوا قط مقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا )، هنا تكون الحرية هي الأصل هذا هو الإسلام الحق، قالها عمر قبل الثورة الفرنسية بألف عام ويزيد، إن قبول بعض الأئمة و خطباء الجمعة ترديد خطب ( التسديد)، جعل منهم مجرد ببغاوات و أضحوكة و هم عبارة عن مواد منتهية الصلاحية، أظن أن تلك العصا التي يتوكأ عليها إمام الجمعة، كان لها معنى عندما استعملها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والصحابة من بعده من تابعين و علماء و صالحين، أخذوا العصا بقوة و بحقها و نصحوا لله ولرسوله، أما اليوم فهي عصا عادية من شجر الكاليتوس أو السدر أو الزنبوع، التي يستعملها الراعي ( السارح ) بالدارجة المغربية، يهش بها على جموع المصلين الذين لا حول لهم ولا قوة، فقط يرفع المصلي رأسه ناظرا إلى الإمام ولسان حاله يقول : ( إذا لم تستح فقل ما شئت)، مع الأسف الشديد لم تجد وزارة الأوقاف جماهير “التيفو”، التي رفضت تدخل الداخلية في شؤون( الألتراس)، و دافعوا عن حرية و استقلالية و سرية”التيفو” من الإعداد إلى موعد عرضه على الجماهير، تحية من القلب لهذه الجماهير المكافحة…

خلاصة :

إن تغول و استبداد وزارة الأوقاف، وعدم اكتراثها بملايين المصلين في يوم الجمعة، جعلها تتخذ قرارات انفرادية و فرضها على الأئمة والمصلين معا، توحيد خطبة الجمعة نموذجا وكذا خطة “التسديد”، لقد قال المؤرخ الإنجليزي توماس أرنولد (Thomas Arnold)، في حديثه عن عظمة دين الإسلام : ( و ياله من دين لو كان له رجال..!! )، وهذه حقيقة لا غبار عليها وعلى رأي المؤرخ توماس : ( وياله من دين لو كانت له جماهير” التيفو ” والألتراس..)، لأن هذه الأخيرة ناضلت بشكل سلمي، و صمدت رغم القمع والإعتقالات لكنها في النهاية انتصرت، ما ضاع حق وراءه رجال…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى