24 ساعةالواجهةمجرد رأي

خطبة جمعة: الأمانة والعدل وحق الناس في البيان لا الهروب و الامتناع عن الكلام

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي 

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، القائل: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

أما بعد،

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأمم لا تهلك بسبب الفقر وحده، ولا بسبب قلة الموارد وحدها، وإنما تهلك حين تضيع الأمانة، ويغيب الصدق، و يغلب على المسؤول الجشع و نهب خيرات الأمة ويصبح الإنسان آخر من يُفكر فيه.

أيها المؤمنون،

لقد هزت القلوبَ الأحداثُ المؤلمة التي شهدتها منطقة الفيدق و سبتة المحتلة، وما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي و الأخبار عن ضحايا وجرحى ومفقودين و انتهاك لحقوق الإنسان على المباشر. نسأل الله أن يرحم من توفي، وأن يشفي المصابين، وأن يرد المفقودين إلى أهلهم سالمين. و أن يحاسب المجرمون.

وفي مثل هذه المحن، لا يجوز أن يكون الصمت هو اللغة السائدة من طرف الحكومة، ولا أن يترك الناس فريسة للإشاعات والتأويلات. فإن البيان عند الفتنة واجب، والصدق مع الناس أمانة، وإخفاء الحقائق جريمة أو التأخر في توضيحها يضاعف الألم ويزيد القلق و يفقد المواطنالثقةفيالمؤسساتالدستوريةوالسياسية.

قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.

ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾،

ومن أعظم حقوق الناس أن يعرفوا الحقيقة، وأن يطمئنوا على أبنائهم، وأن يجدوا من يتحمل مسؤوليته أمام الله ثم أمام الأمة.

أيها المسلمون،

إن المنصب ليس تشريفًا، و لا فرصة لنهب أموال الشعب بل تكليف. وليس امتيازًا، بل مسؤولية ثقيلة. فمن قبل أن يخدم الناس، فعليه أن يصبر على خدمتهم أو يرحل عنهم، وأن يكون بينهم في الشدائد قبل الرخاء.

لقد قال الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.” وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها.”

فأين هذا الشعور بعظمة المسؤولية؟ وأين استحضار مراقبة الله؟ وأين الرحمة بالمواطن الذي ينتظر كلمة تطمئن قلبه وتخفف ألمه؟

إن الإسلام لا يقبل الظلم، ولا يقبل التهاون في حقوق الناس، ولا يقبل أن تتحول المسؤولية إلى جاه أو مكسب ونهب الثروات الأمة و التواطؤمعاللوبياتالاقتصاديةوالاجتماعيةمن أجل تفقير وتجويعوتجهيل و تهميش من يفكر و ينتج ، بينما يئن الضعفاء من الخوف والقلق والحاجة.

عباد الله،

ادعوا الله أن يصلح أحوال بلادنا، وأن يوفق كل مسؤول نزيه و صادق إلى قول الحق وأداء الأمانة، وأن يرزق وطننا العدل والشفافية والرحمة و يبعد عنه شر جشع اللوبيات و من يطبل لهم من رجال الاعلام، وأن يحفظ أبناءه من كل سوء، وأن يجعل خدمة المواطن عبادة يتقرب بها المسؤول إلى الله، لا وسيلة لمصلحة أو جاه.

اللهم أصلح أحوال المسلمين، وارحم موتاهم، واشف جرحاهم، وفك كرب المكروبين، وألهم المسؤولين الشرفاء الحكمة والعدل والصدق،

و أبعد عنا المسؤولين المجرمين الذين يتاجرون في هموم المواطنين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى