خطبة جمعة: الصمت عن الظلم وخطر الفساد على الأوطان
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

الحمد لله الملك الحق المبين، أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العدل أساس العمران، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، القائل:
«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه».
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عباد الله،
فإن الله سبحانه وتعالى حذر الأمم والشعوب من الظلم والفساد والاستبداد، لأن الظلم إذا انتشر أهلك المجتمعات، ودمّر القيم، ونزع البركة من الأرزاق والأوطان.
يقول الله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
أي أن الظلم إذا تفشى، والفساد إذا عَمّ، والصالحون إذا سكتوا وخافوا وتراجعوا عن قول الحق، سلط الله بعض الظالمين على بعض، فتضيع الحقوق، وتُهدر الكرامة، ويصبح المال والنفوذ فوق مصلحة الإنسان والوطن.
عباد الله،
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس فقط وجود الفاسدين، بل اعتياد الناس على الفساد حتى يصبح أمرًا عاديًا، وحتى يتحول الظالم عند البعض إلى “رجل ناجح”، ويصبح المنافق انتهازيًا ذكياً، بينما يُحارب الصادق الشريف لأنه يقول الحقيقة.
لقد أصبحت شعوب كثيرة تعيش حالة خوف وصمت ويأس، تخاف من قول كلمة الحق، أو تظن أن لا فائدة من الإصلاح، بينما يزداد المتلاعبون بقوت الناس وثروات البلاد جشعًا واستقواءً ونفوذًا.
إن الإسلام لا يرضى بالظلم، ولا يقبل بأكل أموال الناس بالباطل، ولا يقبل بتحويل المسؤولية إلى وسيلة للاغتناء أو الاستعلاء أو التضليل.
قال رسول الله ﷺ:
«اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»
فالظلم ليس فقط ضربًا وسجنًا، بل قد يكون احتكارًا للثروات، ونهبًا للمال العام، وكذبًا على الناس، وخداعًا للفقراء، واستغلالًا للحاجة والبطالة والضعف.
أيها المؤمنون،
إن من أسباب استمرار الفساد:
شراء الذمم،
السكوت عن الباطل،
الخوف المبالغ فيه من أصحاب النفوذ،
وغياب روح المسؤولية الجماعية.
وإن الأمة التي تستسلم للخوف وتترك الفاسدين يعبثون بمصيرها، تدفع الثمن غلاءً وفقراً واحتقاناً وضياعاً للأمل عند الشباب.
لكن الإسلام يدعو إلى الإصلاح بالحكمة، وبالوسائل المشروعة، وبالصدق، وبقول كلمة الحق دون ظلم أو اعتداء أو فوضى.
فالمؤمن الحقيقي لا يكون منافقًا مع الظالم، ولا شريكًا في الفساد، ولا صامتًا عن الحق طمعًا أو خوفًا.
عباد الله،
إن الأوطان لا تُحمى بالشعارات الكاذبة، ولا بالدعاية والتضليل، بل تُحمى بالعدل، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام كرامة الإنسان، ومحاربة الفساد مهما كان أصحابه.
فلنراجع أنفسنا جميعًا:
هل نربي أبناءنا على الصدق أم على الانتهازية؟
هل نحترم القانون أم نبحث فقط عن المصلحة؟
هل ننصر الحق أم نصمت خوفًا أو طمعًا؟
إن الإصلاح يبدأ من الإنسان، ومن الأسرة، ومن المجتمع، ومن المسؤول الذي يخاف الله في شعبه ووطنه.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأبعد عن أوطاننا الظلم والفساد والاستبداد، وارزق شعوبنا الكرامة والعدل والأمن والاستقرار، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





