24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةمجرد رأي

خطبة جمعة: بين المسؤولية والأمانة ورفض العبث بمصالح الأمة

بقلم عزيز الدروش المحلل السياسي

الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والبهتان، وجعل الأمانة أساس العمران، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيا عباد الله، يقول الحق سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68].

أيها المؤمنون،

إن هذه الآية الكريمة تعلمنا مبدأ عظيماً من مبادئ الإسلام، وهو عدم المشاركة في الباطل أو السكوت عنه أو إعطاؤه شرعية بالحضور والتواطؤ. فالخوض في الباطل ليس فقط بالكلام، بل قد يكون بالفعل أو بالموقف أو بالصمت عن الحق.

وعندما نتأمل أحوال كثير من المجتمعات اليوم، نجد أن الناس يشتكون من اتساع الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وسكن وعدالة. وفي المقابل، تستمر الصراعات السياسية والخطابات المتبادلة التي لا تنعكس دائماً على واقع المواطنين.

إن الإسلام يجعل المسؤولية السياسية أمانة ثقيلة، وليست امتيازاً أو غنيمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

فالحكومة مسؤولة أمام الله وأمام الشعب عن قراراتها وسياساتها، وعن حماية المال العام، وعن ضمان كرامة المواطنين. كما أن المعارضة مسؤولة عن ممارسة الرقابة الجادة والبناءة، وعن تقديم البدائل والحلول، لا الاكتفاء بالشعارات والمزايدات.

أيها المسلمون،

إن أخطر ما يصيب الحياة العامة هو أن تتحول المؤسسات إلى فضاءات للصراع الشكلي، بينما تبقى مشاكل الناس الحقيقية دون حلول. فالأمانة تقتضي الصدق والوضوح، وتقتضي أن يكون الاختلاف السياسي وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، لا مجرد تنافس على المواقع والمصالح.

لقد علمنا القرآن أن الله لا ينظر إلى الأسماء والشعارات، وإنما ينظر إلى الأعمال والنتائج. فإذا كان المواطن لا يجد عملاً، أو لا يستطيع العلاج، أو يعجز عن توفير حياة كريمة لأسرته، فإن الواجب على الجميع أن يراجعوا أنفسهم وأن يتذكروا أن السلطة والمعارضة والمسؤولية كلها تكليف قبل أن تكون تشريفاً.

عباد الله،

إن الواجب الشرعي والأخلاقي على كل صاحب مسؤولية أن يجعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، وأن يحافظ على المال العام، وأن يبتعد عن كل ما يزرع اليأس وفقدان الثقة بين الناس ومؤسساتهم.

كما أن الواجب على المواطنين أن يمارسوا حقهم في النقد والمحاسبة بالوسائل السلمية والقانونية، وأن يتحروا العدل والإنصاف، لأن الإسلام يرفض الظلم من أي جهة كان.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المؤمنون،

إن الأمم لا تنهض بالخطب والشعارات وحدها، وإنما تنهض بالصدق والكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وإن من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام قيمة الأمانة، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.

فلندعُ جميعاً إلى إصلاح حقيقي يقوم على العدل والشفافية وخدمة الصالح العام، وإلى حوار مسؤول يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، وإلى مؤسسات قوية بثقة المواطنين فيها وبقدرتها على الاستجابة لتطلعاتهم المشروعة.

اللهم أصلح أحوال المسلمين، ووفق المسؤولين إلى العدل والإنصاف، وارزقهم الصدق في خدمة شعوبهم، ووفق كل من يتحمل أمانة عامة إلى أداء واجبه بإخلاص ونزاهة.

اللهم ارفع عن الفقراء والمحتاجين الضيق والغلاء، وبارك في أرزاق الناس، واجعل هذا البلد وسائر بلاد المسلمين آمناً مطمئناً مزدهراً بالعدل والكرامة.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

وأقم الصلاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى