24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسةمجرد رأي

خطبة جمعة : بين عدل الرسالة وفساد الواقع

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والطغيان، وجعل كرامة الإنسان من مقاصد هذا الدين العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي أقام دولة العدل، وأرسى قواعد المساواة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، عباد الله:
إن من أعظم ما أبدعه النبي ﷺ في بناء المجتمع، وثيقة المدينة، التي لم تكن مجرد اتفاق سياسي، بل كانت دستورًا متكاملًا يؤسس للعدل، ويضمن الحقوق، ويقرّ المساواة بين جميع مكونات المجتمع، دون تمييز بسبب دين أو عرق أو نسب. لقد جعلت تلك الوثيقة من الإنسان قيمة عليا، ومن العدالة أساس الحكم، ومن المسؤولية أمانة لا مجال فيها للغدر أو الخيانة.
فأين نحن اليوم من هذا النموذج النبوي العظيم؟
أين نحن من عدلٍ لا يُفرّق بين غني وفقير؟
أين نحن من مساواةٍ لا تُقصي ولا تُهمّش؟
أين نحن من حكمٍ يُحاسِب ولا يحمي الفاسدين؟
يا عباد الله:
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ تُنتهك فيه الحقوق جهارًا نهارًا، وتُستباح فيه أموال الشعب دون حسيب ولا رقيب. زمنٍ تحوّلت فيه السياسة إلى وسيلة للإثراء غير المشروع، بدل أن تكون أداة لخدمة المواطنين. زمنٍ أصبحت فيه بعض الحكومات رهينة للوبيات المال والنفوذ، لا ترى في الشعب إلا وسيلة للجباية، ولا في الوطن إلا سوقًا للمصالح.
إننا أمام واقع مؤلم، حيث تُصادَر الحقوق السياسية، وتُفرَّغ النقابات من دورها النضالي، ويُدجَّن الإعلام ليصبح بوقًا للتضليل، وتُختزل مؤسسات المجتمع المدني في واجهات شكلية لا تدافع عن المظلومين ولا ترفع صوت الحق.
بل الأخطر من ذلك، أن من يجرؤ على قول كلمة الحق، أو يطالب بالعدالة، أو يفضح الفساد، يجد نفسه مهددًا أو متابعًا أو محاصرًا. وكأن قول الحق أصبح جريمة، وكأن الدفاع عن كرامة الإنسان خروج عن القانون و خصوصا في عهد هذه الحكومة !
عباد الله:
إن الله تعالى يقول:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”
ويقول سبحانه:
“وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ”
فكيف يُعقل أن تُنهب خيرات البلاد، ويُترك المواطن يئن تحت وطأة الفقر والغلاء الغير المبرر؟
كيف يُعقل أن تُتخذ القرارات المصيرية من طرف البرلمان و الحكومة دون إرادة الشعب و فتح نقاش معه في غياب الوسطاء ؟
كيف يُعقل أن تُحمى المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة؟
أيها المؤمنون:
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على من الحكومة و شركائها *الليبراليين المتوحشين*، بل أيضًا على من صمت، وعلى من تواطأ، وعلى من باع ضميره. فالأحزاب التي كان يفترض أن تدافع عن الشعب، انخرط بعضها في لعبة المصالح. والنقابات التي وُجدت لحماية العمال، أصبح بعضها جزءًا من منظومة الصمت. والإعلام الذي خُلق ليكشف الحقيقة، صار في كثير من الأحيان أداة لتزييفها.
وهنا نُذكّر بقول النبي ﷺ:
“إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُودِّع منهم”
عباد الله:
إن السكوت عن الظلم ليس حيادًا، بل هو مشاركة فيه. وإن التواطؤ مع الفساد خيانة للأمانة. وإن الدفاع عن الحق ليس خيارًا، بل واجب شرعي وأخلاقي.
فلنعد إلى روح وثيقة المدينة، إلى روح الإسلام العادل، الذي لا يقبل الظلم، ولا يبرر الفساد، ولا يساوم على كرامة الإنسان.
اللهم إنا نسألك أن تُقيم فينا العدل، وأن ترفع عنا الظلم، وأن تُصلح أحوالنا، وأن تردّ إلى هذه الأمة رشدها، وأن تُلهمنا قول الحق والثبات عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى