خطبة جمعة : لا تخافوا إلا الله… وأسقطوا جدار الخوف
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، وحرّم الظلم والعدوان، والصلاة والسلام على من قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
أما بعد،
أيها الناس، اتقوا الله ولا تخافوا من غيره!
لقد أصبح الخوف في مجتمعاتنا أخطر من الفقر، وأصبح الصمت أحياناً شريكاً للظلم، وأصبحت الأنانية جداراً يحتمي خلفه المستفيدون من بؤس الناس.
قال تعالى :
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
فويلٌ لمجتمع يعرف الظلم ويسكت عنه، ويرى الفساد ويخاف من فضحه، ويرى كرامة الإنسان تُهان ثم يبحث عن مبررات للصمت!
أيها المؤمنون،
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المال والنفوذ والمصالح واللوبيات تتسلل إلى السياسة والاقتصاد والإعلام والنقابات والمجتمع، حتى صار المواطن في كثير من الأحيان آخر من يُسمع صوته، وآخر من تُحترم كرامته.
وحين تتحول السياسة إلى سوق للمصالح، والنقابة إلى وسيلة للامتيازات، والإعلام إلى بوق للمصالح، والجمعيات إلى واجهات، والاقتصاد إلى احتكار، فاعلموا أن الخلل لم يعد في شخص أو حزب، بل في منظومة تحتاج إلى مساءلة وإصلاح عميق.
أيها المسلمون،
نحن لا نحارب الأشخاص لأنهم يختلفون معنا، ولا ندعو إلى الانتقام من أحد.
لكننا نقولها بوضوح :
نحارب الظلم بالحق، والفساد بالقانون، والاستغلال بالوعي، والاحتكار بالمحاسبة، والخوف بالشجاعة، والصمت بالكلمة الحرة.
ونرفض أن تتحول الليبرالية المتوحشة إلى عقيدة تجعل الإنسان رقماً في السوق، والفقير عبئاً، والعامل مجرد يد عاملة، والشاب مشروعاً للهجرة، والمريض زبوناً، والتعليم سلعة، والصحة امتيازاً للأغنياء.
لا يا عباد الله!
الاقتصاد وُجد لخدمة الإنسان، لا الإنسان لخدمة الاقتصاد.
والسياسة وُجدت لخدمة الشعب، لا الشعب لخدمة السياسيين.
والإعلام وُجد لكشف الحقيقة، لا لتجميل الباطل.
والنقابة وُجدت للدفاع عن العمال، لا للدفاع عن مصالح القيادات.
والجمعيات وُجدت لخدمة المجتمع، لا لتكون سلماً للامتيازات.
أيها المواطنون،
كفى خوفاً!
كفى أن يقول المواطن: «ماذا سيحدث لي إذا تكلمت؟»
اسألوا أنفسكم:
وماذا سيحدث للوطن إذا ظل الجميع صامتين؟
كفى أن يعيش الإنسان وحيداً يبحث عن مصلحته الشخصية، بينما يُنهب الحق العام أمام عينيه.
إن المعركة الحقيقية ليست بين مواطن ومواطن، ولا بين فقير وفقير.
المعركة ضد الظلم والاستغلال والفساد أينما وُجدت، ومن أي جهة جاءت.
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
فتعاونوا على الخير، وتضامنوا من أجل العدالة، وواجهوا الفساد بالكلمة والقانون، ولا تسمحوا لأحد أن يشتري صمتكم أو يخيفكم أو يستغل حاجتكم.
أيها الشباب،
لا تجعلوا اليأس دينكم، ولا الهجرة حلمكم الوحيد، ولا الصمت قدركم.
أنتم لستم أرقاماً انتخابية، ولستم أصواتاً موسمية، ولستم وقوداً لمصالح الأحزاب واللوبيات.
أنتم مواطنون لكم حقوق وعليكم واجبات.
قولوا لمن يطلب أصواتكم:
أين العدالة؟ أين الشغل؟ أين الصحة؟ أين التعليم؟ أين الكرامة؟ أين المحاسبة؟
وقولوا لكل من يطلب منكم الصمت:
لن نصمت عن الظلم.
وقولوا لكل من يحاول تخويفكم:
نحن لا نريد الفوضى، ولا نريد الانتقام، ولكننا نريد دولة الحق والقانون والكرامة والعدالة.
أيها المؤمنون،
إن التوكل على الله لا يعني الاستسلام.
التوكل أن تعمل وأنت مؤمن، وأن تقول الحق وأنت ثابت، وأن تدافع عن المظلوم دون ظلم، وأن تواجه الفساد دون فساد، وأن ترفض الاستبداد دون أن تتحول إلى مستبد.
فلا عنف، ولا فوضى، ولا انتقام.
بل وعي، وتنظيم، وتضامن، وكلمة حرة، ونضال مدني، ومحاسبة قانونية، وإرادة شعبية.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فغيّروا ما بأنفسكم.
اكسروا الخوف.
اقتلعوا الأنانية.
ارفضوا شراء الذمم.
لا تبيعوا أصواتكم.
لا تبيعوا ضمائركم.
لا تسكتوا عن الظلم.
واعلموا أن من يخاف الناس أكثر مما يخاف الله، فقد سلّم إرادته للبشر.
أما من توكل على الله، وتمسك بالحق، وسلك طريق السلم والقانون، فلا يستطيع أحد أن يسلبه كرامته إلا إذا سمح له بذلك.
اللهم حرر قلوبنا من الخوف إلا منك.
اللهم اجعلنا من أهل الحق والعدل.
اللهم احمِ وطننا من الفساد والاستغلال والاحتكار والظلم.
اللهم اجعل المسؤولية أمانة، والسلطة خدمة، والمال العام حقاً مصوناً.
اللهم انصر المظلومين، واحفظ كرامة الفقراء والمهمشين والعمال والشباب.
اللهم ارزق هذا الوطن رجالاً ونساءً يخافونك ولا يخافون أصحاب المال والنفوذ.
اللهم اجعل كلمة الحق أقوى من الخوف، وإرادة الشعب أقوى من الأنانية، والعدل أقوى من الظلم.
عباد الله،
لا تنتظروا أن يأتي التغيير من فوق وأنتم صامتون من تحت.
ابدؤوا بأنفسكم.
فحين يسقط الخوف من قلوب الناس، يبدأ سقوط كثير من أوهام القوة.
والحمد لله رب العالمين.





