خطبة جمعة: لا يغُرَّنَّك تقلّبُ أهل المصالح
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي.

الحمد لله الذي أمر بالصدق ونهى عن الخيانة، وأقام العدل أساس الملك، وجعل الكلمة أمانة، والعهود مسؤولية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، القائل: “آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}.
عباد الله، هذه الآية ليست فقط خبراً عن حالٍ مضى، بل هي ميزانٌ يُقاس به كل زمان، وتحذيرٌ من الاغترار بالمظاهر الخادعة، والنجاحات الزائفة، والتقلّبات التي لا تقوم على مبدأ ولا على حق.
وإذا نظرنا إلى واقعنا، وجدنا نماذجَ من التقلّب لا تختلف في جوهرها عن هذا الوصف:
أناسٌ يدخلون الحياة السياسية بشعاراتٍ براقة، ووعودٍ كبيرة، وكلماتٍ معسولة… فإذا بهم عند أول اختبار، يتخلّون عن كل ذلك، وينتقلون من موقعٍ إلى آخر، ومن حزبٍ إلى حزب، لا لشيءٍ إلا لمصلحةٍ ضيقة، أو مكسبٍ شخصي، أو موقعٍ زائل.
أيها المؤمنون،
إن الترحال السياسي الذي يُفرغ العمل العام من القيم، ويحوّل المسؤولية إلى تجارة، والكلمة إلى سلعة، هو خيانة للأمانة التي حمّلها الشعب لمن انتخبهم، وهو سقوط أخلاقي قبل أن يكون انحرافاً سياسياً.
كيف يُؤتمن من لا يثبت على مبدأ؟
كيف يُصدَّق من ينقض عهوده؟
كيف يُنتظر الإصلاح ممن يجعل مصلحته فوق مصلحة الوطن؟
إن الله سبحانه لم يربط الكرامة بالمنصب، ولا الشرف بالموقع، بل ربطها بالصدق والثبات:
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}.
فأين الصدق فيمن يبدّل مواقفه كما يبدّل ثيابه؟
وأين الأمانة فيمن يبيع وعوده في سوق المصالح؟
وأين المسؤولية فيمن لا يرى في السياسة إلا طريقاً للغنيمة؟
عباد الله،
إن هذا التقلّب الذي نراه اليوم قد يخدع البعض، فيظن أن هؤلاء قد نجحوا، وأنهم حققوا مكاسب، وأنهم يسيطرون ويتحركون بحرية… لكن الله تعالى يقول:
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ}
أي أنه نجاح زائل، ومكسب مؤقت، وبريق سرعان ما ينطفئ.
ثم يأتي الحساب:
{ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}
ليس بالضرورة أن يكون العذاب فقط في الآخرة، بل يبدأ من فقدان الثقة، وسقوط الهيبة، وانكشاف الحقيقة أمام الناس، ثم الحساب الأكبر عند الله، حيث لا تنفع المناصب ولا التحالفات ولا الصفقات.
أيها المؤمنون،
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر فقط، بل غياب القيم، وانهيار الأخلاق في تدبير الشأن العام.
وإذا أصبح التقلّب هو القاعدة، والوفاء استثناء، والصدق ضعفاً، والخيانة ذكاءً… فاعلموا أن المجتمع يسير نحو فقدان البوصلة.
لذلك، فإن المسؤولية ليست فقط على من يمارس هذا السلوك، بل أيضاً على من يقبل به، ويسكت عنه، ويكافئه.
إن الأمة التي تريد الإصلاح، يجب أن ترفع قيمة الصدق، وتعاقب سياسياً وأخلاقياً كل من يخون الأمانة، مهما كان موقعه.
عباد الله،
السياسة ليست غنيمة، بل تكليف.
وليست تجارة، بل مسؤولية.
وليست مجالاً للتلاعب، بل ميداناً للوفاء بالعهد.
فاتقوا الله في أوطانكم، وفي أصواتكم، وفي مواقفكم، ولا تنخدعوا بالمظاهر، ولا بتقلّب المتقلّبين، فإن الله قد حسم الأمر:
{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ… مَتَاعٌ قَلِيلٌ}.
اللهم اجعلنا من الصادقين، وثبّتنا على الحق، وارزقنا الجرأة في قول الحق، وأصلح أحوال أمتنا، وأبعد عنها الفساد والخيانة والنفاق.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم





