خطة ولخبطة

بقلم أبو أيوب

    هل يمكن اعتبار المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الفرنسي ماكرون مع نظيره الإيراني مؤشرا على بداية انفراج ؟ أم هي مجرد التفاف وتبادل أدوار مع الطرف الأمريكي ؟ فمسك العصا من الوسط لن تؤتي بنتيجة تذكر، والمطلوب حاليا توضيح المواقف دون التباس، أما المحافظة على الإتفاق النووي وحمايته وديمومته، وهذا لن يتأتى إلا بالتقيد الصريح بالتعهدات والإلتزامات، أو الرضوخ للإبتزاز الأمريكي وبالتالي التنكر لما تم التوافق بشأنه مع تحمل التبعات والتداعيات .
   
    أوروبا اليوم أصبحت في ورطة، ونفوذها يتدنى وصورتها تهتز، مساهمتها  من حيث لا  تدري في تمرد الشركات الأوروبية على صانع القرار السياسي، من خلال انسحاب الشركات من الإستثمار في إيران خوفا من العقوبات الأمريكية، ساهم إلى حد كبير في تأرجح وضبابية المواقف ما بين المعلن والمخفي . 
     
    وفي محاولة منه لسرقة الأضواء وأخذ زمام المبادرة نيابة عن الإتحاد الأوروبي، بادر الرئيس الفرنسي بتوجيه دعوة لإيران لحضور قمة مجموعة الدول السبع الصناعية بباريس، دعوة بمثابة الجزرة المحفزة واليد الممدودة، مبادرة فرنسية بنكهة أمريكية  لتشجيع الجمهورية الإسلامية على البقاء ضمن إطار الإتفاق النووي، وكاعتراف رسمي بدور إيران في مسرح السياسة الدولية، و لمزيد من التحفيز تم الإعلان عن ضخ 15 مليار دولار في صندوق خاص، يتم عبره تسهيل انسياب الحركة التجارية بين الطرفين، ما يمكن أوروبا من الإلتفاف على العقوبات الإمريكية وبالتالي إظهار نوع من الإستقلالية وعدم التبعية . 
     
    في ظاهرها تبدو المبادرة الفرنسية باسم أوروبا نقلة نوعية في الطريق الصحيح، أما باطنها أو ما خفي منها هو بمثابة مكر وخداع يخدم بالأساس مصلحة أمريكا، وبالضبط يخدم  مصلحة  الرئيس ترامب في حملته الإنتخابية للرئاسيات المقبلة، إذ من الممكن استغلال مشاركة الرئيس الإيراني بمعية الرؤساء الآخرين بمن فيهم ترامب، وتسويقها كإنجاز لهذا الأخير على غرار ما تم تسويقه من خلال لقائه برئيس كوريا الشمالية، إنجاز قد يساهم في الرفع من أسهمه ومن شعبيته والإنتخابات على الأبواب .
   
    دعوة لم تكن بريئة بحيث تعتبر كجس للنبض أو بألون اختبار للموقف الذي قد تتخذه إيران، رهان ماكرون كان يراهن بالأساس على القبول الإيراني، لكن خاب ظنه بعدما تفطن الجانب الإيراني لما يحاك من خلف الستار، فجاء الرد بعدم الموافقة على المشاركة، وأن أمن إيران واستقرارها ليسا للبيع ولا هو قابل للنقاش والتفاوض، وأن هذه الأخيرة ليست في وارد تغيير قواعد اللعبة والسلوكيات، وليس في حسبانها مساعدة ترامب على النزول من الشجرة، وبالتالي سحبت الدعوة  لتعود  الأمور لحجمها ومسارها الطبيعي، أي رفع العقوبات الأمريكية قبل أي حديث عن المفاوضات .
   
    بعد هذا الإحراج لكلتى المعادلتين الأوروبية والأمريكية، ولمزيد من الضغط والتصعيد في محاولة للإستفزاز، تم الإعلان عن موافقة إسرائيل في حماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز وباب المنذب بشراكة مع أمريكا وبريطانيا … رغم استحالة الأمر وعدم واقعيته وتعذر  قابليته للتنفيذ، كما تجدر الإشارة إلى كون هذه الدول الثلاث هي من وافقت وانخرطت في اللعبة ضمن ستين دولة تم التشاور معها . 
   
    رهط من المحللين يرون في سكوت المنظومة الخليجية وعدم إبداء الرغبة في المشاركة، علاوة على محاولات التقارب والهرولة نحو الجار الفارسي، من مؤشرات  فشل أمريكا في ردع إيران والتعامل معها كتعاملها مع باقي دول المنظومة، وأن الأخيرة أصبحت قوة إقليمية عظمى لن تجرؤ لا أمريكا ولا إسرائيل ومعهما بريطانيا على مهاجمتها … فيما يرى آخرون بتشابه المعادلة والمقاربة مع ما جرى في السابق، عند الإعلان عن تأميم قناة السويس من طرف جمال عبد الناصر وما نتج عنها من حرب الستة أيام سنة 1967، آنذاك كانت فرنسا ضمن التحالف الثلاثي، بخلاف اليوم  أمريكا هي من تريد قيادة قوات التحالف من خلف الستار، في الوقت الذي تنآى فيه فرنسا بنفسها عن المشاركة، ما يعتبر بحسب البعض مسرحية تبادل أو تقاسم للأدوار بحسب الظروف .
   
    الهدف من المسرحية  في تقديري، هو جر إيران إلى مفاوضات يرمون عبرها إلى إنهاء سيطرتها على أمن الخليج ومضيق هرمز، بذريعة توفير الحماية للملاحة الدولية، ما يعتبر في حد ذاته إضعافا لها ولدورها بالمنطقة، لا يقل أهمية وخطورة عن محاولة مفاوضتها بشأن ملفها النووي وقدراتها الصاروخية فضلا عن مسعاهم لتغيير السلوكيات، أي بمعنى من المعاني، ما عجزوا عن أخده بالقوة بإمكانهم بحسب تقديراتهم تحقيقه بالتحفيز والوعود ” مبدأ العصا والجزرة ” . 
   
    إن معادلة اليوم تأخد منحى أكثر تعقيدا، فبقدر ما يتنامى الإستفزاز الإسرائيلي والضغط الامريكي والحدو البريطاني، بقدر ما يتعاظم الدور الإيراني ويتفاقم معه التصعيد نحو حافة الهاوية، لعبة تتقنها بامتياز من كانت يوما ما دركي الخليج … التاريخ يؤكد المؤكد من خلال الإمساك بزمام المبادرة وبسط الهيمنة على مياه الخليج الفارسي، جريا على ما دأبت عليه  العادة أيام حكم الشاه، غير هذا فحرب ضروس تشعل المنطقة برمتها رغم استحالة نشوبها الآن أو في المستقبل المنظور، كما أن التأزيم والتلويح بالحرب ليس في صالح أوروبا، حرب إن نشبت رغم استبعاد الحدوث،  فذاك خراب لأمريكا ودمار إسرائيل وانكفاءة أوروبا، كمدخل لعالم متعدد الأقطاب بريادة اقتصادية صينية وزعامة عسكرية روسية، ضمن رؤية تشاركية مع كل من الهند وتركيا وإيران .
     
    فهل ستقوى أمريكا على المجاراة على ضوء الترهل والضعف البادي على مفاصلها ؟ أكيد ليس بإمكانها ذلك، استقلالية القرار السياسي التركي من خلال صفقة إس 400، وما يتم تداوله حاليا بشأن صفقة السوخوي 35 مع روسيا خير مثال، ودون الإسترسال في الأمثلة أصبح بالإمكان القول، أن معادلة اليوم  قد تقلب الأمور رأسا على عقب، بمعنى بداية انسحاب الأساطيل الغربية من منطقة الخليج …. وأن غدا لناظره قريب .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إصابة متحرش بفتاة بدوار العوامرة بجماعة اولاد عيسى على يد شقيقها القاصر

    بتاريخ 14 غشت الجاري، أقدم أحد الشبان على التحرش بفتاة بدوار العوامرة التابع ...