أخبار

«خفافيش الصفقات».. موظفون يظهرون مع الاظرفة ويختفون في ظلال التواطؤ ردهات بعض المؤسسات والقطاعات

هناك مشهد مكرر يبدو أقرب إلى أفلام الإثارة والغموض، لكنه واقع مرير؛ مشهد أبطاله نوع خاص من الموظفين، لا تراهم في الأيام العادية، ولا تجدهم في مكاتبهم يخدمون المواطنين أو ينجزون المعاملات الروتينية. إنهم “موظفو المواسم” أو كما يسميهم البعض “خفافيش الصفقات”. يملكون قدرة خارقة على الاستشعار، يظهرون فجأة بمجرد الإعلان عن صفقة عمومية أو مناقصة ضخمة، يحملون في أيديهم الأظرفة المغلقة، يوزعون الأدوار، ثم يختفون في لمح البصر بمجرد جفاف حبر التوقيعات، تاركين خلفهم تساؤلات حارقة حول النزاهة وتكافؤ الفرص.

​لا يتحرك هؤلاء الموظفون عشوائياً، بل يتبعون بروتوكولاً غير مكتوب يعتمد على التوقيت الحاسم. ينبعثون من العدم بمجرد شم رائحة الميزانيات المرصودة للمشاريع، فتجدهم فجأة في الممرات المحيطة بمكاتب القرار، يحملون ملفات تحيط بها السرية. تكمن مهمتهم الأساسية في تيسير لغة “الأظرفة”، فهم حلقة الوصل غير الرسمية بين المقاول المحظوظ والمسؤول صاحب القلم، يضمنون رسوّ المركب على الشاطئ المطلوب. وبمجرد أن تُفتح الأظرفة علناً وتُمنح الصفقة، يتبخر هؤلاء الأشخاص ويعودون إلى حالة البيات الوظيفي، فلا عينٌ تراهم ولا بصمة إنجاز تُنسب إليهم في العمل اليومي للمؤسسة.

​”حينما تصبح الصفقة العمومية غنيمة، يتحول الموظف النزيه إلى غريب، ويصبح ‘مهندس الظل’ هو النجم الفعلي للمؤسسة.”

​إن ظاهرة موظفي الصفقات الموسمين لا تضر فقط بالمال العام، بل تضرب إسفيناً في جسد الوظيفة وأخلاقياتها. فهي تتسبب في إحباط الكفاءات والموظفين المثابرين الذين يعملون طوال العام ويجدون أنفسهم مهمشين أمام هؤلاء الطفيليين. كما تؤدي هذه الممارسات إلى رداءة المشاريع؛ فعندما تُبنى الصفقات على الترتيبات والمجاملات تحت الطاولة، تكون النتيجة مشاريع متهالكة لا تصمد أمام الزمن. والأخطر من ذلك هو أزمة الثقة التي تزرعها في نفوس المقاولات الشابة والنزيهة التي تفقد الأمل في المنافسة الشريفة.

​إن مواجهة هذه الفئة لا تتطلب فقط رقابة صارمة، بل تتطلب رقمنة شاملة وعميقة لعمليات إبرام الصفقات، بحيث تُفتح الأظرفة إلكترونياً بعيداً عن الأيدي الخفية، وتصبح معايير الاختيار واضحة لا تقبل التلاعب. لقد حان الوقت لتسليط كشافات الضوء على تلك الزوايا المظلمة التي يختبئ فيها هؤلاء الموظفون، فالوظيفة تكليف ومسؤولية يومية، وليست موسماً لجني الثمار والاختفاء عن الأنظار، وصفقات الوطن يجب أن تُبنى بسواعد الشرفاء في العلن، لا بأيدي الخفافيش في الظلام.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى