24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسانمجرد رأي

​خلف الشاشات المغلقة.. هل نحن مراقبون ؟ هل نعيش الأيام الأخيرة للخصوصية البشرية؟

هل شعرت يوماً أن هاتفك “يسمعك”؟ تتحدث مع صديقك عن رغبتك في شراء حذاء جديد، لتفتح هاتفك بعد دقيقتين فتجد إعلاناً لنفس الحذاء وبنفس اللون! في الماضي، كنا نظنها مجرد مصادفة أو نوعاً من الهوس الرقمي، أما اليوم، فالأمر أكبر من مجرد إعلانات موجهة؛ نحن نتحدث عن نهاية الخصوصية البشرية كما نعرفها، وبداية عصر يتم فيه تفكيك عقولنا طواعية.

​الجميع يتحدث بإنبهار عن ثورة الذكاء الاصطناعي وكيف يسهل تفاصيل حياتنا اليومية، لكن الوجه الآخر لهذه العملة مرعب للغاية. نحن لا ندفع مقابل هذه الخدمات الذكية بالمال، بل ندفع بأثمن ما نملك: بياناتنا، تحركاتنا، نبرات أصواتنا، وحتى نمط ضغطنا على الشاشات. الشركات التكنولوجية الكبرى لم تعد تراقب ما تفعله الآن فحسب، بل أصبحت قادرة على التنبؤ بما ستفعله غداً؛ فمن خلال تحليل سلوكك، يمكن للخوارزميات معرفة ما إذا كنت ستستقيل من وظيفتك، أو تنفصل عن شريك حياتك، أو تصاب بالاكتئاب، حتى قبل أن تدرك أنت ذلك في وعيك الشخصي. أنت لم تعد مجرد مستخدم عادي، بل أصبحت السلعة الأكثر ربحية في العالم.

​هذا التغلغل المرعب يأخذ شكلاً أكثر خطورة مع صعود تقنيات التزييف العميق، حيث يصبح تصديق عينيك خطأً فادحاً. تخيل أن تتلقى اتصالاً مرئياً من والدتك تطلب منك تحويل مبلغ مالي طارئ، الصوت صوتها، والوجه وجهها، لتكتشف لاحقاً أنك كنت تتحدث مع برمجية ذكاء اصطناعي محترفة انتحلت شخصيتها. الخوف القادم ليس من اختراق حسابك البنكي، بل من اختراق هويتك بالكامل، فمع تطور هذه الأدوات، أصبح بإمكان أي شخص يمتلك صورتك ومقطعاً صغيراً لصوتك أن يجعلك تقول أو تفعل أي شيء في فيديو يبدو حقيقياً بنسبة مئة بالمئة.

​بالتأكيد، الهروب إلى كهف معزول عن العالم ليس حلاً عملياً، ولكن الذكاء الرقمي يتطلب منا اليوم اتخاذ خطوات جادة وجريئة لحماية ما تبقى من مساحاتنا الخاصة. يبدأ الأمر بتقنين صلاحيات التطبيقات بشكل صارم، والتساؤل بحذر عن سبب احتياج تطبيق بسيط كالآلة الحاسبة للوصول إلى الكاميرا وقائمة الأسماء، مراراً بإغلاق ميزة الاستماع الدائم للمساعدات الصوتية في هواتفنا، وصولاً إلى تبني عقلية “التشكك الصحي” كقاعدة أساسية للعصر الرقمي، بحيث يصبح كل ما نراه خلف الشاشات متطوعاً في دائرة الشك حتى تثبت براءته.

​التكنولوجيا في حد ذاتها ليست شراً مطلقاً، لكن الجهل بكيفية تلاعبها بنا هو الخطر الأكبر الذي يهدد مجتمعاتنا. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس “هل يتم انتهاك خصوصيتنا؟”، بل هو “ما هو الثمن الباهظ الذي نحن مستعدون للتنازل عنه غداً مقابل رفاهيتنا الرقمية الحالية؟”.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى