24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

​دموع المغاربة في الملاعب: وطنية تفوق الوصف ورسالة لمن يهمه الأمر

تلك الدقائق القليلة التي تسبق صافرة بداية أي مباراة كروية للمنتخب الوطني ليست مجرد بروتوكول رياضي عابر، بل هي لحظة تتوقف فيها عقارب الزمن لتعلن عن فيضان مشاعر جارف يعم كل بيت ومقهى ومدرج. عندما ترتفع الأصوات بـ “منبت الأحرار، مشرق الأنوار”، يحدث شيء يشبه المعجزة في وجدان كل مغربي ومغربية؛ تسري قشعريرة باردة في الأجساد، ويتدفق الدم حاراً في العروق، وتتوحد القلوب على نبض واحد يختزل تاريخاً وثقافة وهُوية تنصهر فيها كل الفوارق والمسافات.

​هذا الشعور الفريد الذي يصعب حشره في الكلمات، يتجاوز حدود المنطق والواقع المادي؛ فهو لا يعترف بالطبقات الاجتماعية ولا بظروف العيش. تجد المواطن الذي يئن تحت وطأة قساوة الحياة، والذي قد يعيش ظروفاً مادية وصفتها بالتي تحت الصفر، يقف شامخاً، دامع العينين، رافعاً رأسه وهو يردد النشيد الوطني بكل جوارحه. إنها وطنية خالصة، فطرية، لا ترتبط بمدى ما يأخذه المواطن من وطنه، بل بمدى ما يشعر أنه ينتمي إليه بكيانه ودمه. كرة القدم هنا، والنشيد الوطني تحديداً، يتحولان إلى مرآة تكشف عن معدن هذا الشعب الصابر والمحب لأرضه حتى النخاع.

​ولا تقتصر هذه الجذوة المشتعلة على من هم داخل الحدود، بل إن لهيبها يمتد لآلاف الكيلومترات ليصل إلى مغاربة العالم. أولئك الذين غادروا البلاد مرغمين أو باحثين عن لقمة العيش وعن آفاق أرحب، يحملون المغرب في حقائب قلوبهم أينما حلوا وارتحلوا. في بلاد الغربة، يكتسب النشيد الوطني بعداً أكثر عمقاً وشجناً؛ يصبح صلة الوصل بالتراب والأهل والذكريات. تشاهد مغترباً أفنى شبابه في الغربة، يبكي بحرقة طفل صغير مع كل نغمة من النشيد، مؤكداً أن المسافات وجوازات السفر البديلة لا يمكنها أبداً أن تمحو جينات الهوية المغربية المتأصلة.
​أمام هذا التدفق العفوي والصادق من حب الوطن، تبرز رسالة بالغة الأهمية والعمق، موجهة مباشرة إلى كل مسؤولي الدولة وصناع القرار في مختلف القطاعات. إن هذا الشعب الذي يمنح وطنه حباً غير مشروط في الملاعب والمحافل الدولية، يستحق أن يقابل هذا الحب بتقدير ملموس على أرض الواقع. الحب وحده لا يكفي لبناء حياة مستقرة، والوطنية الجارفة يجب ألا تُستغل كمسكن لآلام الفقر والتهميش. الرسالة واضحة ودامغة: لا تجعلوا الظروف القاسية، وغياب العدالة الاجتماعية، وضعف الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وفرص عمل، تدفع المواطن إلى حافة اليأس وتجعله يشعر بالغربة داخل وطنه.

​إن المغرب بلد غني بثرواته، زاخر بإمكانياته، وفيه من الخيرات المادية والبشرية ما يضمن لكل مواطن ومواطنة العيش في كرامة وعزة نفس. حماية هذه الوطنية الخالصة من التآكل هي مسؤولية حاسمة تقع على عاتق المسؤولين، من خلال ترجمة شعارات التنمية إلى واقع ملموس يعيد التوازن للمجتمع. فالكرامة هي الحصن الحصين للمواطنة، وحينما يجد المواطن البسيط حقوقه مصونة، وخيرات بلاده موزعة بعدل، فإن ذلك الحب الفطري الذي يعبر عنه في مباريات كرة القدم سيتحول إلى طاقة بناء وعطاء لا تنضب في كل مجالات الحياة اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى