
مسرور المراكشي :
تمهيد :
الحكم الديمقراطي حلم الشعوب المقهورة، ظاهرا نلاحظ أن الدول الأوروبية بقيادة أمريكا، تعمل جاهدة على نشرها و فرضها على كل الدول العربية، بالحديد والنار و الويل لكل من يعترض على تطبيق النظام الديمقراطي، لأن تهمة التطرف و الإرهاب جاهزة و التدخل العسكري وارد، كل هذا المجهود هو من أجل هذه الشعوب و دون مقابل، يريدون فقط الأجر و الثواب في الآخرة، والله ناس الغرب “طيبين” ظلمناهم كثيرت..!!، وهكذا تلاحظون ياسادة أن الدول الأوربية حريصة على رفاهية هذه الشعوب، كيف لا وهي تقدم لهم أرقى ما وصل إليه نظام الحكم عند الغرب، إن مصطلح الديموقراطية يوناني المنشأ، وهو يعني حكم الشعب بنفسه”منكم وإليكم”، و بصيغة أخرى السلطة تكون للشعب وحده لا شريك معه..!!، فـ”ديموس” تعني الشعب و”كراتوس” هي السلطة، وعند الجمع بين ( ديموس مع كراتوس ) تعطينا السلطة للشعب، جميل أليس كذلك..؟ هنيئا إذن لكل عربي ومسلم أو حتى أنت يا “با لمعطي”، بخيرات هذه الديمقراطية الأمريكية و الأوروبية، ( سعداتك يابو سنطيحة اشكون بحالك )، وهكذا يمكن لهذه الشعوب أن تحكم نفسها بنفسها أخيرا..!!، وذلك منذ نيلها الاستقلال المبارك ولله الحمد، إذن هيا بنا لتطبيق آيات الديموقراطية كما يريد رسل الغرب، وأول تنزيل لهذه الآيات المباركة يكون في المحطات الانتخابية..
ـ ديمقراطية “الخشيبات”…!!
“الخشيبات” لمن لا يعرفها من الجيل الحالي ( Z ) و أخواتها، هي عصيات بلاستيكية صغيرة تستعمل في الحساب، وبالضبط عند التلاميذ الصغار تسهل عليهم العد وعملية الطرح و القسمة..، و بالمناسبة عد الأصوات في العملية الانتخابية أساس في فرز الفائز، يصح أن نسميها ديموقراطية ( العد ) صوت واحد زائد أو ناقص، هذا كاف ليشكل الفرق إن كان صوت ” زائد ” قد يمنحك الأغلبية للحكم، وإن كان صوت” ناقص” قد تصبح زبونا لنادي المعارضة، هنا مكمن الخطر و المصيبة العظمى و أهم مساوئ الديموقراطية على الإطلاق، دعكم من التزوير الفاضح و استعمال المال الحرام وغير ذلك، لنا عودة إلى هذه الأمور لكن الإشكال الأكبر هو في المساواة العمياء، فعند عد الأصوات لا نفرق بين ناخب و آخر، الجميع متساوي يشبه قطع” الخشيبات” بلا ملامح ولا هوية فقط أرقام محايدة، حيث يتساوى صوت الصالح مع الطالح، و الأحمق الطائش مع العاقل الرزين، لافرق بين صوت الديوث أو المثلي الشاذ مع المستقيم الغيور، وكذا صوت الوطني الصادق المخلص، يتساوى مع صوت الخائن للدين و الوطن، المهم لا أحد يستطيع تغير هذه المعادلة، بل حتى مجرد مناقشة تلك “المساواة ” ناهيك عن تغييرها، لقد أصبحت مسلمة من المسلمات حيث لا يجرؤ أحد على المساس بها، وإلا اتهم بالظلامية و الاستبداد و الرجعية وكل مصائب الدنيا، وليعلم هؤلاء الحمقى المدافعين عن مبدأ “المساواة “بهذه الصيغة، أنهم مغفلين ولهم رؤوس فارغة تعشش فيها العناكب ” الرتيلة”، وهم على كل حال معذورين و ضحايا لعملية غسل دماغ، ساهم فيها الفكر الغربي و الإعلام الموجه منذ عقود خلت، وأنا أدعو فقط هؤلاء المغفلين إلى مقارنة قيمة الأصوات، في مجلس الأمن بين رؤساء كل دول العالم، ورؤساء خمس دول فقط المسماة بـ ( العظمى ) يتضح لكم الفرق جليا، إن استعمال هذه الدول الخمس حق ” الفيتو ” يعد عنوان” اللامساواة ” إن صوت رئيس الموزامبيق بل كل رؤساء إفريقيا و ٱسيا، لا قيمة له وهو لا شيء مقارنة بصوت دونالد ترامب، وكذا باقي رؤساء الدول المسماة بـ ( العظمى..!! )،
لأن من وضع هذا المبدأ هو أول من خرقه وعلى رؤوس الأشهاد، ماذا يعني حق” الفيتو” غير ضرب مبدأ المساواة بين الدول، فقط خمس دول في العالم تملك هذا الحق الذي يبيح لها إبطال أي قرار و تعطيله، وهي : ( الصين روسيا بريطانيا فرنسا أمريكا الشمالية )، فلو صوت العالم كله مع وقف الحرب في غزة، و اعترضت بريطانيا باستعمال حق ( الفيتو )، لن تتوقف الحرب والعكس صحيح إذن ( سلم لي على المساواة ..)
ـ ديموقراطية بن “ادغل”…!!
مثل مغربي يضرب عند الشعور بالغبن والخديعة، وبالضبط عند تقسيم الغنائم بطريقة فيها ظلم أحد الطرفين مثلا : أن يأخذ طرف الشيء المهم الثمين ذو القيمة العالية، وفي المقابل يأخذ الطرف الثاني شيئا تافها قليل القيمة، حيث يقول المثل: ( قسمة بن ادغل شي ادا البردعة أو شي ادا لبغل..)، وهي طبعا قسمة ضيزى فيها غبن كبير لأحد الطرفين، لأن قيمة البردعة أقل بكثير من قيمة البغل، و هذا ما فعله الغرب الصليبي بالضبط مع العرب، حيث أخذ أحسن ما في الديموقراطية جوهرها و روحها و لبها أي “البغل”، وترك لنا فقط القشور و الشكليات “البردعة” التي توضع على ظهر البغل، النتيجة هي أن أغلب الدول العربية التي أخذت بعد الاستقلال، بتعليمات الغرب و طبقت ( الديموقراطية ) العرجاء، نجدها في الصفوف الأخيرة من حيث التنمية، لا صحة لا تعليم تراجع على كل المستويات ولله الحمد الذي لا يحمد على مكروه سواه، هنا أيها السادة يتضح لكم حجم الخديعة التي سقط فيها العرب، طبقوا ديمقراطية مغشوشة صورية فتخلفوا، في حين طبق الغرب دموقراطية بطريقة سليمة، فربح رهان التقدم على كل المستويات ( صحة وتعليم وتنمية..)، وعليه يمكن للدول العربية اتخاذ القرار الاستراتيجي الأهم و الأصعب، فهي بين خيارين لا ثالث لهما إما أن تأخذ بالنظام الديموقراطي الغربي، كما جاء به فلاسفة اليونان و أوروبا بالنقطة و الفاصلة دون تغيير، أو البحث عن نظام جديد يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية..، و تجربة الخليفة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، تثبت إمكانية النهوض بدون مساعدة الغرب الصليبي، إضافة إلى تجارب أخرى تمتح من تراثنا الغني العربي والاسلامي….
خلاصة :
بصراحة أوروبا الصليبية بقيادة أمريكا، لا يريدون لنا تطبيقا حقيقيا للنظام الديموقراطي، وهم مستعدون لإفشال أي تجربة دموقراطية ناجحة، بصيغة أوضح هم يقومون بحماية ( الديموقراطية) المغشوشة، و نكتفي هنا بنموذجين فقط الأول : التجربة الجزائرية في بداية تسعينات القرن الماضي، تجربة حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حيت فاز بالأغلبية في انتخابات شفافة شهدت بنزاهتها كل المنظمات الدولية، حتى تدخلت فرنسا و دعمت انقلابا عسكريا أفشل التجربة….
الثاني : النموذج المصري حيث فاز حزب( الحرية و العدالة) ذو المرجعية الإسلامية، وشكل الحكومة في تجربة ديموقراطية ناجحة، لكن الغرب الصليبي المتصهين دعم انقلابا عسكريا أطاح بالحكومة المنتخبة، النتيجة مقتل أو رئيس مدني منتخب في مصر، ولا زال الانقلابيون يحكمون إلى اليوم بلا حسيب ولا رقيب…ختاما إذا كانت هذه هي الديموقراطية المغشوشة، التي يريد الغرب أن نطبقها أشهدكم أني قد كفرت بها، وأنا أول المؤمنين بنظام الخلافة الراشدة، التي حكمت شرقا و غربا و تربع فيها المسلمون على عرش الحضارة …





