د محمد فخر الدين يكتب عن : أنثروبولجيا اللغة … تبرعوا و زيدوا تبرعوا – وتنازع الدلالة بين التبرع والتضامن والتبراع

    و نحن نسمع عبارات تبرعوا و و زيدو تبرعو في البرنامج الشهير اسئلة كورونا ، و الذي نحيي بالمناسبة جهوده التواصلية المتميزة ، تلك العبارات التي تتكرر في كلام مقدم البرنامج ، عن التبرع و الزيادة فيه .. نجد أنفسنا نتلقى هذه الكلمات أولا بلغتنا الاولى التي تفيد معنى للتبرع غير ما يقصده خطاب المتكلم ..هكذا يشتغل اللاوعي اللغوي ليحدد معاني الكلمات في أذهاننا بسرعة دون يكون للعقل الدور الاساسي في تحديد الدلالة و إشراطها بالسياق الجديد ..

    فاللغة تحمل ثقافتها معها و من الصعب ان نفصل بين لغة و حمولتها الثقافية …و كل استعمال جديد لكلمة او توظيف لها قد يصطدم بالحمولة القديمة من الدلالات المترسبة للكلمات ، و يكسر الدلالة وهذا ما نلاحظه في استعمال كلمة التبرع بمعنى التضامن او التعاون و هي المتداولة بمعنى المتعة و التمتع ..

    فالمقصود الاول بالتبرع هو التبرع الشعبي المعروف الذي نجده في بعض العبارات الشعبية : الحمد لله عايشين مبرعين ما خاصنا حتى خير ما خاصنا والو .. لاظهار النعم و تقديم الحمد و حتى الفخر ـ و تبرع ليا أخويا مع راسك ـ التي تستعمل في الأحوال الخاصة التي تنتشر فيها وفرة مباهج الحياة .. تتميز عن الأحوال العادية التي تتميز فيها الموارد او الحياة بالشح و القلة و التعب و الجهد و المشقة ..

    فالتبرع هنا يعني التمتع بكل الملذات و المتع و اجواء الفراغ و الصحة و اجتناب كل ما يعكر صفو الحياة من كدح الشغل و اكراهات المعيش ..

    و غذاء او عشاء مبرع هو الذي يختلف عن طعام الحياة اليومية . وهذا بالطبع يتطلب مالا غالبا لا يكون من انفاق المستفيد و انا جاء بدوره على شكل تبرع ..جابو الله ..الاجواد ..المومنين ..

    و بالمقابل و على عكس ذلك فإن التبرع المقصود بالدلالة و القصد والوارد بصيغة فعل الامر أو الالتماس و الدعوة هو طلب مقدم للمتلقي لتقديم قدر مال غير محدد ـ باش ما سخاه الله ـ ابتداء من عشر دراهم فما فوق لصالح الصندوق دعم الجائحة ..مغلف بطابع احساني حيث ان ل صاحبه اجرا اخروي ـ ميزان الحسنات المقبول ـ و يتخذ شكل صدقة و عمل صالح ..

    و من تم يظهر التناقض الدلالي بين المفهوم الاول للتبرع و التبراع و المفهوم الثاني المرتبط بتقديم الصدقة و الاحسان ..فالاول اخذ كافي من طرف الشخص للتمتع بالعيش الرغيد و الثاني عطاء في المتناول لمساعدة الغير ..

    و التبرع الاول في حقيقته فعل فردي و احساس يشعربه الفرد عندما يخرج من العادية في سفر او نزهة او مادبة او حفل .. و الدعوة هنا للتبرع بالمعنى الثاني في قصد الخطاب تاخذ صورة جماعية تصعب من دلالته ..التبرع الجماعي …

    كما أن عبارة زيدو تبرعوا بما تفيده من دلالات اضافية تجعل المعنى اكثر لبسا فعوض ان تبعد المعنى من السياق الاول للتمتع تغرقه فيه .. هذه هي الزيادة في التبرع .. الم يكن التبرع الاول كافيا حتى تتم اضافة درجة جديدة في التبرع و التمتع ..رغم اننا لا ننفي ان السياق العام يفيد الدعوة الى الزيادة بتقديم مبلغ مالي اضافي …

    اللغة هنا تفرض نفسها و تنتصر لدلالتها الخاصة قد يفهم المتلقي ان المقصود هو المساهمة لان السياق يساعد عى ذلك لكنه لا يستطيع التخلص من تردداتها الداخلية وورودها بمعنى التمتع و الزيادة في التمتع ..

    و كلمة التبرع الجديدة مثل التبرع بالدم و هي معاني دخيلة على التبرع بمعناه الشعبي الممتد و المتداول ، و مادام الخطاب موجها الى الفئات الشعبية الواسعة التي تفهم التبرع شيئا اخر فكان لا بد من البحث عن كلمات مناسبة للحس الشعبي و تمثلاته للعيش الجماعي و الفردي و الحياة الجماعية الذي يتمفصل فيها متخيل الناس الى اللي عايش مبرع و للي بخير و فوق السلك و غير ذلك ..

    هل كان من الاحسن القول تضامنو و زيدو اتضامنو او ساهموا و زيدوا ساهموا … عوض تبرعو و زيدو تبرعوا ؟ الله اعلم

مراكش في 22 يوليو 2020م.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

المغرب في طريقه للتخلي عن فرنسا أمريكا وروسيا وتصنيع أسلحته بنفسه بمساعدة تركيا

    قال الخبير الاقتصادي عمر الكتاني أن المساعي المغربية للانفتاح على تركيا وتطوير العلاقات ...