الواجهةمجرد رأي

راشد الغنوشي مرآة لواقعٍ كامل،

‏في يومٍ واحد، يمكن لشائعةٍ مبتذلة أن تُعلَن فيها وفاة رجلٍ حيّ، بينما موته الحقيقي يحدث كل يوم على مهل، داخل زنزانةٍ باردة، بصمتٍ مقصود، وبلا خجل.
أخي الغالي راشد الغنوشي؛ مفكرٍ إسلامي، ومصلحٍ اجتماعي، وأحد أبرز العقول التي أنجبتها الأمة في العقود الأخيرة. رجلٌ صاحب مشروع فكري متكامل، له عشرات الكتب الأصيلة، ومئات المحاضرات، وتجربة فريدة في التوفيق بين الإسلام، والديمقراطية، والحريات العامة، والنضال السلمي.
الرجل، الذي تجاوز الرابعة والثمانين من عمره، يقبع اليوم منذ قرابة ألف يوم في سجنٍ تونسي، لا لجرمٍ ارتكبه، بل لأن أفكاره كانت أكبر من أن تُحتوى، ولأن حضوره كان أصدق من أن يُزوَّر. سُجن بتهمٍ واهية، وملفاتٍ ملفّقة، وحججٍ لا تصمد أمام أبسط عقل قانوني، لكنّها تكفي حين يكون الخصم هو الحرية نفسها.
ولو كان الغنوشي في بلدٍ غربي، لكان رمزًا عالميًا:
يُدرَّس فكره في الجامعات،
وتُروى سيرته بوصفها قصة نضالٍ أخلاقي،
وتُرفع صوره في معارض “الحرية وحقوق الإنسان”.
أما لأنه مسلم، ومفكرٌ مستقل، فقد انتهى به المطاف خلف القضبان، في بلدٍ كان أحد أبرز مناضليه ضد الاستبداد، وأحد الوجوه المحورية لثورةٍ أطاحت واحدًا من أعتى الأنظمة القمعية في المنطقة.
ثم يأتي من يسأل — ببرودٍ مستفز —:
لماذا تخلفنا وتقدم الغرب؟
الجواب واضح، وفجّ، ولا يحتاج فلسفة:
نحن نسجن عقولنا، وهم يحتفون بها.
نحن نطارد الحكماء بالشائعات والسجون، وهم يحولونهم إلى رموز وطنية.
نحن نقتل المعنى، ثم نبكي على غياب الحضارة.
راشد الغنوشي مرآة لواقعٍ كامل،
وشاهد إدانةٍ على أمةٍ ما زالت تخاف من الكلمة الحرة أكثر من خوفها من الطغيان نفسه.

الشيخ علي القرة داغي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى