الاستثمار في الصحة والتعليم … جريمة سياسية لا تقل خطورة عن الفساد

بقلم : عزيز الدروش
في الوقت الذي تنتظر فيه فئات واسعة من الشعب المغربي رؤية سياسات اجتماعية حقيقية تُعيد الاعتبار للمدرسة العمومية والمستشفى العمومي، يظهر من جديد الخطاب المضلِّل الذي يقدّم الاستثمار في الصحة والتعليم على أنه حلّ وفرصة. لكن الحقيقة الصادمة التي يجب قولها بكل وضوح هي أن تحويل هذين القطاعين إلى مجال للربح التجاري هو فعل غير شرعي، وغير دستوري، وغير أخلاقي.
1/ الصحة والتعليم … أعمدة الأمة لا أسواق للمال :
لا يوجد مستثمر في العالم يضع أمواله دون انتظار الربح، وهذه قاعدة اقتصادية معروفة. لكن هل يجوز أن يصبح جسد المواطن موضوعاً تجارياً؟ وأن يصبح مستقبل أبناء الشعب مادة للمزايدة ؟
إن الصحة والتعليم ليستا سلعتين، بل هما أساس بقاء الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها. وأي محاولة لجعلهما خاضعتين لمنطق السوق هي ببساطة بيعٌ لسيادة البلد ومستقبله.
2/ من يريد التجارة فليبتعد عن الصحة والتعليم :
من يريد الاستثمار والربح فليذهب إلى العقار، السياحة، الصناعة، الخدمات …
أما أن يُترك رأس المال الخاص ليتحكم في المدرسة والمستشفى، فذلك انحراف خطير يهدد الأمن الاجتماعي والسلم المدني.
التعليم والصحة ليسا مجالاً لـ”البزنس” ولا للاستغلال، بل هما حقّان أصيلان للمواطن يجب أن تضمنهما الدولة لا أن تبيعهما قطعة قطعة.
3/ على أمير المؤمنين التدخل لتصحيح هذا العطب الخطير :
إن ما يحدث اليوم من خصخصة مقنّعة وتغلغل لوبيات المال داخل القطاعات الاجتماعية هو انحراف عن جوهر الدولة الاجتماعية التي دعا إليها الملك محمد السادس في خطبه.
ولهذا، فإنني أؤكد – بكل مسؤولية – أن تدخل أمير المؤمنين أصبح ضرورة وطنية لوقف هذا النزيف قبل فوات الأوان.
فلا تنمية بدون تعليم عمومي قوي، ولا كرامة بدون صحة عمومية محترمة.
4/ علماء المملكة مدعوون لقول كلمة الحق :
أين العلماء؟ أين الفقهاء؟ أين حماة المقاصد الشرعية؟
إن المتاجرة في صحة الناس وتعليم أبنائهم تتعارض مع مقاصد العدل والإنصاف ورفع الضرر التي يقوم عليها الإسلام.
5/ والصمت اليوم لم يعد خياراً …
لأن تبرئة الذمة أمام الله والأمة تقتضي كلمة واضحة:
الصحة والتعليم ليسا مجالاً للربح، بل مسؤولية الدولة وحدها.
6/تواطؤ الأحزاب … خيانة للقيم وللشعب :
أما الأحزاب السياسية، التي من المفترض أن تكون صوت المجتمع، فقد فضّلت الصمت أو التواطؤ.
جزء منها يهلّل للخصخصة لأنه يعيش على صفقات الدولة ومنافعها، وجزء آخر لم يعد يملك الشجاعة لمواجهة لوبيات المال.
إن هذا التواطؤ الحزبي والنقابي والجمعوي يدخل في خانة التخلي الجماعي عن الدور الوطني وترك الشعب وجهاً لوجه أمام جشع المستثمرين.
7/ المطلوب … دولة ترعى لا دولة تبيع :
لا يمكن بناء مغرب قوي بتسليع الإنسان.
ولا يمكن تحقيق تنمية حقيقية إذا كانت صحة المواطن مرتبطة بمدى قدرته على الدفع، وإذا كان حقه في التعلم مرهوناً بحجم ثروته.
الدولة القوية هي التي تحمي الفقراء قبل الأغنياء، وتضمن الحقوق الأساسية قبل الأرباح.
8/ خلاصة القول :
إن الأمة التي تسمح بالتجارة في صحة مواطنيها وتعليم أبنائها، هي أمة تفتح الباب أمام الانهيار. والدولة التي تسمح بذلك تتحمل مسؤولية تاريخية لن يغفرها الشعب ولا الزمن.
بقلم: عزيز الدروش
فاعل ومحلل سياسي، وناشط في مواجهة الفساد والريع والمتاجرة في حقوق المغاربة.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





