24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

رحيلٌ في الظل… حين تموت الغربة ويصمت العدل

رحيلٌ في الظل… حين تموت الغربة ويصمت العدل

لم تكن تعلم، وهي تخطو أولى خطواتها خارج الوطن، أن الرحلة التي زُيّنت لها بالكلمات المعسولة ستنتهي بهذا القدر من القسوة، صديقات السوء أغروها بالسفر إلى دولة لا تشبهها ولا تليق ببراءتها، فغادرت وهي تحمل حلمًا صغيرًا بالنجاة، فإذا بالغربة تبتلعها، وإذا بالحسد والحقد يتكالبان عليها واحدًا تلو الآخر.

عاشت وحيدة، تواجه قسوة الأيام ووجوهًا لا تعرف الرحمة، إلى أن كتبت يوم الجمعة تدوينتها الأخيرة، وكأنها وصية مبكرة أو صرخة وعي متأخرة:

«كلما زادت معرفتي بالبشر، كلما زاد احترامي للوحدة»

كلمات قصيرة، لكنها كانت محمّلة بتجربة ثقيلة، وبخذلان أكبر من أن يُحتمل.

في اليوم الموالي، يوم السبت، أُعلن خبر وفاتها في ظروف وُصفت بالغامضة، غموض لم يبدده تحقيق، ولم تكشفه جهة، ولم يُنصفه قانون، رحلت الشابة، وهي في عمر الزهور،  وبقي السؤال معلّقًا: ماذا حدث فعلًا؟

الأكثر إيلامًا لم يكن الموت وحده، بل ما تلاه، تسجيلات صادمة لنساء يصرخن ببرود وقسوة: «ابعدوا الجثمان عن البيت، ارموها في مكان بعيد»، كلمات تنزع عن الإنسان إنسانيته، وتكشف إلى أي حد يمكن أن تصل القلوب حين يغيب الضمير.

الشرطة التركية لم تُنصفها، ربما لأنها كانت تعيش وحيدة، بلا ظهرٍ ولا شهود، والسلطات المغربية، رغم المحاولات، لم تستطع الوصول إلى الحقيقة كاملة، ولا إلى أغراضها الشخصية، وكأن آثارها مُسحت من الحياة كما مُسحت من المكان.

ضاعت الشابة… وضاع معها حلمها البسيط بحياة أفضل، ضاعت أسرتها في دوامة الألم، وضاعت عائلتها بين الانتظار والأسئلة التي لا إجابة لها، وما زالت المعاناة مستمرة، وما زال مكانها فارغًا بيننا، فراغًا لا يملؤه الزمن ولا التبرير.

هذه ليست مجرد قصة وفاة في الغربة، بل حكاية وحدة، وخذلان، وامرأة دفعتها الثقة بالآخرين إلى مصير لم يختره أحد لها، رحلت، وبقي وجعها شاهدًا على أن بعض الأسفار لا تكون نجاة، وأن بعض الصحبة قد تكون أقصر طريق إلى الضياع.

رحمكِ الله يا أختي الغالية مديحة، وألهم أسرتكِ الصبر والسلوان. ستبقين في ذاكرتنا ولن ننساكِ، فالحزن ما زال يخيّم على القلوب، وللحقّ يومٌ آتٍ لا محالة.

يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى