24 ساعةالواجهةقرأت لكم

رحيل الطيار المغربي صالح حشاد.. أحد الناجين من جحيم تزممارت

رحيل الطيار المغربي صالح حشاد.. أحد الناجين من جحيم تزممارت

بقلم : ذة. رشيدة باب الزين باريس

غيّب الموت، مساء السبت 13 شتنبر 2025، الطيار المغربي السابق صالح حشاد، أحد أبرز الناجين من معتقل تزمامارت السيئ الذكر، عن عمر ناهز 87 عامًا.

يعد الراحل من أوائل الطيارين العسكريين المغاربة، حيث تخرج من المدرسة العسكرية بمراكش سنة 1957، قبل أن يكمل تكوينه في فرنسا عام 1959، ويتدرج في المناصب داخل سلاح الجو المغربي حتى وصل إلى رتبة قائد فيلق جوي.

ولد صالح حشاد سنة 1938 بقرية أولاد إيعيش نواحي مدينة بني ملال، وسط المغرب، ونشأ في كنف أسرة متوسطة. وقد شكّلت حادثة عاشها في طفولته نقطة تحول كبرى في حياته، حين نجا من قصف جوي نفذته طائرة فرنسية خلال قمع انتفاضة بمدينة خريبكة، ما زرع فيه حلم الطيران.

كان حشاد من أوائل الطيارين الذين قادوا طائرات “الميغ” التي قدمها الاتحاد السوفياتي للملك محمد الخامس، كما خضع لتدريبات متقدمة على الطائرات الأميركية من طراز “F-5” بولاية أوكلاهوما، حيث تفوق على زملائه الأميركيين ونال أرفع وسام عسكري أمريكي يُمنح للطيارين المقاتلين.

لاحقًا، شارك الراحل في تدريبات عسكرية متقدمة في “مونتغمري” بولاية ألاباما، حيث كان الوحيد من غير الأميركيين الذي سمح له بالمشاركة بطائرته في حفل التخرج، تكريمًا لتفوقه الاستثنائي.

من قمة المجد إلى جحيم تزممارت

في 16 غشت 1972، تغيرت حياة حشاد رأسًا على عقب، حين كان يقود سربًا من الطائرات مهمته مرافقة طائرة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني أثناء عودته من فرنسا. لكنه فوجئ خلال الرحلة بإطلاق النار على الطائرة الملكية من طرف بعض الطيارين المشاركين في المرافقة، في إطار محاولة انقلابية قادها آنذاك وزير الدفاع الجنرال محمد أوفقير.

ورغم إصابة طائرة الملك، فقد نجا من الحادثة، وبعد فشل المحاولة، تم توقيف العشرات من الضباط والطيارين، من بينهم صالح حشاد، حيث حوكم بتهمة التورط في المحاولة الانقلابية، وصدر في حقه حكم بالسجن لمدة عشرين سنة.

نُقل حشاد إلى معتقل تزمامارت السري بمنطقة الراشدية، حيث قضى أكثر من 18 سنة في ظروف لا إنسانية، وسط عزلة تامة، قبل أن يُفرج عنه سنة 1991 إثر ضغوط حقوقية محلية ودولية.

بعد الإفراج عنه، كرس حشاد حياته لتوثيق تجربته المؤلمة، وساهم في كشف خبايا “سنوات الرصاص” في المغرب، من خلال شهادات ومؤلفات سلطت الضوء على مرحلة الصراع بين النظام السياسي ومعارضيه.

وقد نعاه عدد من رفاقه ومناضلي حقوق الإنسان، من بينهم المعتقل السياسي السابق أحمد المرزوقي الذي كتب:

“ببالغ الحزن والأسى، تلقينا وفاة رفيقنا، النقيب الطيار صالح حشاد… نرفع أحر تعازينا القلبية إلى زوجته الكريمة الدكتورة عائدة، وابنته هدى، وابنه خليل، وإلى أسرته الصغيرة والكبيرة، وكل من ناضل لأجل إطلاق سراحه وإخراجه من ذلك الجحيم”.

من جهتها، عبرت الصحافية والناشطة الحقوقية رشيدة باب الزين عن حزنها العميق قائلة:

“كان حلمي منذ سنوات الدراسة الجامعية أن ألتقي هذا البطل… سافرت إلى فرنسا بحثًا عنه دون جدوى، وسأزور قبره لأضع عليه الورود عند عودتي إلى أرض الوطن. وبهذه المناسبة الأليمة وباسم طاقم جريدة الجديدة نيوز، أتقدم بأحر التعازي لعائلته وكل الحقوقيين الذين عاشوا معه محنته؛ راجية من العلي القدير أن يلهمهم الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل وأن يشمل الفقيد بالمغفرة والرضوان ويسكنه  فسيح الجنان.. إنه مجيب الدعاء وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

برحيل صالح حشاد، يطوي المغرب صفحة أحد أبرز رموز الحقبة المظلمة في تاريخه الحديث، ويبقى اسمه شاهدًا على صمود الإنسان في وجه الظلم، وعنوانًا لكفاح طويل من أجل الحقيقة والعدالة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى