24 ساعةأحزابأخبار إقليم الجديدةأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

رحيل الفكرة وبقاء المقعد : الترحال السياسي وركائز التزكية الحزبية

انتقال النخب السياسية بين الأحزاب، أو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بالترحال السياسي، لم يعد حدثاً استثنائياً في العمل الحزبي، بل تحول إلى ظاهرة هيكلية تتكرر مع كل استحقاق انتخابي. هذا التحول يعكس واقعاً باتت فيه الانتماءات الفكرية والإيديولوجية تتراجع لصالح الحسابات الرقمية والبراغماتية، حيث يصبح الرهان الأساسي للهيئات السياسية هو حصد المقاعد وتوسيع النفوذ داخل المجالس المنتخبة، بصرف النظر عن المسار التاريخي أو الخلفية الفكرية للمرشح.

​وفي هذا السياق، تخضع عملية منح التزكية الحزبية لمعايير دقيقة تتصدرها القدرة الميدانية للمرشح ومدى امتلاكه لخزان انتخابي حاسم. فالأحزاب تبحث بالدرجة الأولى عن “البروفايل الانتخابي” القادر على جلب الأصوات بفضل شبكة علاقاته المحلية، أو رصيده في التسيير الجماعي، أو امتداده القبلي والعائلي. هذا الوزن الميداني يمنح النخب المنتقلة قوة تفاوضية كبيرة تجعل القيادات الحزبية تتغاضى عن مبدأ الوفاء التنظيمي، مقابل ضمان مقعد مضمون في دائرة معينة.

​إلى جانب الوزن الانتخابي، تلعب الإمكانيات اللوجستية والمالية دوراً محورياً في حسم التزكيات. فمع ارتفاع تكلفة الحملات الانتخابية وتعقد آلياتها التواصلية، تجد الأحزاب في المرشح المتمكن مالياً خياراً يقلل من أعبائها اللوجستية، ويضمن إدارة حملة قوية وقادرة على المنافسة. ويقترن هذا المعيار برغبة استراتيجية لدى الحزب المستقبِل في ضرب خصومه السياسيين، إذ إن استقطاب اسم بارز من حزب منافس يحقق مكسباً مزدوجاً بكسر القواعد الانتخابية للخصم وتعزيز لائحة الحزب في الآن ذاته.

 

​ختاماً، أدى طغيان هذه المعايير البراغماتية إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المرشح والحزب؛ إذ لم يعد التنظيم السياسي فضاء للتربية على المواطنة والتأطير الفكري بقدر ما أصبحت التزكية مجرد سند إداري يتيح للمرشح خوض الانتخابات. وفي المقابل، بات الحزب يتعامل مع هذه النخب كرافعات أرقام لتعزيز موقعه في خريطة التحالفات والتشكيل الحكومي أو المجالس الترابية، مما يطرح أسئلة عميقة حول أزمة الثقة في العمل السياسي وتراجع دور البرامج والحسابات الفكرية في إقناع الناخبين.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى