رسائل مشفرة واستهدافات مباشرة

بقلم أبو أيوب

    عنوان اللحظة ما تعيش على إيقاعه منطقة الخليج و الشرق الأوسط، على إثر اغتيال أمريكا من نكد و نغص عليها انتشائها بالنصر في العراق و عموم المنطقة، الجنرال الّإيراني قاسم سليماني .
* الرسائل المشفرة المتبادلة بين مختلف الفرقاء :  
– بعد الإستهداف، صرح التيس الأشقر الأمريكي بأن المغتال كان المطلوب الأول أمريكيا منذ أمد بعيد، بالتالي هو هدف مشروع ضمن الحملة التي تقوم بها أمريكا في حربها على الإرهاب (صنفت كلا من الحرس الثوري الإيراني/ فيلق القدس/ حزب الله اللبناني … ضمن اللائحة السوداء لأكثر ” الإرهابيين ” خطرا على التواجد الأمريكي بالمنطقة) . ثم أضاف أن أمريكا وضعت بنك أهداف يشمل 52 موقعا إيرانيا مرشحة للاستهداف في حالة ما إذا قامت إيران بأية عملية رد على اغتيال الجنرال سليماني، فلماذا بالضبط هذا الرقم و إلى ماذا يرمز ؟ . 
وبالعودة إلى تاريخ بداية الأزمة بين أمريكا و الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما بعد قيام الثورة، الرقم هذا يرمز إلى عدد الديبلوماسيين الأمريكيين بسفارتها بطهران الذين أخدوا كرهائن سنة 1979، حينها كان الرئيس جيمي كارتر في أوج الحملة الإنتخابية للرئاسيات الأمريكية، أرسل عدة طائرات عسكرية “هيليكوبتر” في محاولة لتحرير الرهائن باءت المحاولة بالفشل، و كان هذا من بين الأسباب التي أدت لخسارته الإنتخابات و اعتزاله السياسة بمفهومها الواسع، فما أشبه الأمس باليوم …! و هل سيكون مصير التيس الأشقر كمصير كارتر ؟  
– إيران من جانبها و جوابا على تصريحات الرئيس الأمريكي، صرح كل من الرئيس الإيراني السيد روحاني و وزير الخارجية السيد جواد ظريف بأن الرد الإيراني حتمي و قادم، و أن على أمريكا حزم حقائبها و تغادر المنطقة بأقل الخسائر، عدا هذا فإنهما ينصحانها بتقبل استقبال  جثامين عسكرييها في الثوابيث مذكرينها من جهة بفيتنام جديدة، و من جهة أخرى بحادث إسقاطها الطائرة المدنية الإيرانية فوق مياه الخليج إبان الحرب العراقية الإيرانية و على مثنها 292 راكبا استشهدوا كلهم .
رقم يشير إلى بنك الأهداف الأمريكية التي حددتها إيران و التي هي في مرمى الصواريخ على طول جغرافية المنطقة، لتكون بمثابة رسائل مشفرة يتبادلها الجانبان … و لتنكية الجراح أضاف مرشد الجمهورية الإسلامية بأن الأحب لأمريكا في إشارة ل ” إسرائيل” لا تخرج عن نطاق الاستهداف المباشر و عبر الوكالة إن هي تجرأت على الرد الإيراني الحتمي، مستطردا في الوقت نفسه و موجها كلامه هذه المرة إلى كل دول المنطقة التي تتواجد بها قواعد أمريكية “مماليك الخليج مثال”، بأنها ضمن بنك الأهداف في حالة سماحها بانطلاق أي عدوان من أراضيها على إيران كيفما كان نوعه  “قاعدة العديد بقطر/ قاعدتين بالكويت/ ثلاث قواعد بالإمارات/ قاعدة بحرية بالبحرين / القواعد الأمريكية بالسعودية…” . 
– بعد التصويت الأخير بالبرلمان العراقي بوجوب مغادرة القوات الأمريكية للعراق و وضع حد للاتفاقية الأمنية الموقعة بين الجانبين “قرار ملزم للحكومة العراقية”، خرج السيد بومبيو وزير الخارجية الأمريكي بتصريح غريب يدعو من خلاله الحكومة العراقية بدفع مبالغ طائلة لم يحددها، مقابل القواعد العسكرية و البنى التحتية التي شيدتها أمريكا بالبلد إن هي طالبت بالإجلاء، متناسيا بأن كل ما تم بناؤه و تشييده كان يستخلص من عائدات العراق النفطية “قمة الإبتزاز و الترهيب الأمريكي ” . 
– الزيارة المفاجئة الأخيرة للرئيس الروسي بوتين لسوريا و لقاؤه بالرئيس الأسد، تجواله بالعاصمة دمشق رفقة مضيفه و زيارته للمسجد الأموي، رسالة لكل من أمريكا و تركيا العضوين في حلف الأطلسي معناها أن زمن المغامرة و المقامرة قد انتهى ( الأولى من زاوية فشل محاولتها تقسيم سوريا إلى كانتونات سنية/ شيعية/ كردية/ علوية … و الثانية إقبار الحلم التركي بالصلاة في المسجد الأموي و إجهاض استعادة الأمجاد العثمانية كما جاء على لسان أردوغان بداية الأحداث الدامية بسوريا ..
سوريا اليوم تتعافى و قد بسطت سلطتها على معظم أراضيها، و ما بقي من بؤر كأدلب مثلا  يتم التعامل معها وفق متطلبات الوضع، لكن هذا لا يعني بأن الأعداء رفعوا الراية البيضاء و استسلموا ثم قبلوا بالأمر و لن يثنيهم هذا عن القيام بمناوشات جانبية ” إختراق الحدود / قصف بعض مواقع الجيش السوري/ تفجيرات إرهابية للفت الإنتباه مثال من أمثلة عديدة “، لكن الحقيقة تبقى هي هي ( فشل المشروع الغربي/ العربي/ العبري في تقسيم واسطة العقد  بلاد الشام و إنهاء المقاومة الفلسطينية/ اللبنانية/ اليمنية ضمن رؤية الشرق الأوسط الكبير من منظور الفوضى الخلاقة التي دعت إليها كوندوليزا رايس ) . 
الفضل في إفشال المشروع الأمريكي في المنطقة برمتها راجع بالأساس إلى الفكر و النظرة الإستراتيجية لأحد كبار القادة العسكريين، و أعني به الجنرال قاسم سليماني الذي يذكرني بالجنرال جياب و الجنرال هوشي منه في حرب الفيتنام، أكيد أن هناك أطرافا أخرى ساهموا كل من موقعه في الحد من الجبروث الأمريكي ” روسيا/ الصين/ كوريا الشمالية/سوريا/ الحوثيون باليمن/ حزب الله اللبناني/ حماس و الجهاد الإسلامي/ قوات الحشد الشعبي بالعراق …”، لكن الفضل الكبير من نصيب رجل الميدان الذي كان حاضرا في كل جبهات القتال، بصماته في كل الجبهات لأكثر من ثلاثين سنة ( شارك في الحرب العراقية الإيرانية/  خطط لإجلاء القوات الأمريكية من لبنان سنة 82 من خلال الهجوم على مواقع المارينز و تجمعات وكالة الإستخبارات الأمريكية/ مشاركته إلى جانب المقاومة العراقية أثناء الغزو الأمريكي / مشاركته في حرب لبنان إسرائيل 2006 / إشرافه على إدخال الصواريخ و توريد تكنولوجيتها إلى داخل قطاع غزة / بصمته حاضرة في سوريا / كذلك الأمر بالنسبة للحوثيين في اليمن …) .
لذا كان لزاما على التيس الأشقر أن يصدر أمره باستهداف من قض المواجع و نكى الجراح، فكانت العملية الإرهابية بكل المقاييس على موعد مع بداية النهاية للتواجد العسكري الأمريكي بكامل المنطقة، معلنة انطلاق العد العكسي للانعزالية و الإنكفاءة الأمريكية .
* الإستهدافات المباشرة : 
–  الأسد في عين العاصفة و أعني بها القاعدة الأمريكية “عين الأسد” غرب العاصمة بغداد على بعد حوالي 220 كلم، تتعرض فجر الأربعاء 8 يناير الحالي لصليات صواريخ باليستية أطلقت من إيران، و أخرى في اتجاه القنصلية الأمريكية باربيل شمال العراق بالمناطق الكردية، هذا ما صرح به الجانب الإيراني عن أول رد على استشهاد الجنرال قاسم سليماني، عمليات قصف تحت إسم الشهيد المغتال، و سوف لن تكون الأخيرة كما جاء على لسان مرشد الجمهورية الإسلامية في أول خطاب له بعد عملية الإغتيال .
خطاب توعد من خلاله استهداف عمق محبوبة أمريكا إذا ما ردت الأخيرة على عمليات القصف الصاروخية، أولى الردود الأمريكية ما صرحت به نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي حيث قالت ” لا أمريكا و لا العالم بأسره بمقدوره تحمل تبعات حرب بمنطقة الخليج و الشرق الأوسط “، فيما غرد التيس الأشقر بأن أمريكا لا تسعى إلى حرب مع إيران و لا تريد تغيير نظامها السياسي … أما المتوقع حصوله من الجانب الإيراني في حالة الرد الأمريكي، بعض المحللين و المراقبين يقولون بحافة الهاوية أي بما معناه علي و على أعدائي : 
1/ إعلان إيران اليوم رسميا عن تسريعها من وتيرة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قياسية، ملقية اللوم على الجانب الأوروبي الذي فشل في الوفاء بالتزاماته، و بقدر ما تتسارع الأعمال الحربية بقدر ما تقترب إيران من صنع القنبلة الذرية .
2/ الإعلان عن انتفاء صلاحية فتوى المرشد الإيراني التي دعى من خلالها منذ توليه أمر البلد إلى تحريم امتلاك السلاح النووي و أسلحة الدمار الشامل، و قد يصدر فتوى أخرى تحرم فقط استعماله بدل امتلاكه، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تصنيع أول قنبلة نووية إيرانية ” من زاوية توازن الردع و الرعب ” .
3/ إندلاع الأعمال الحربية و من أي مستوى كان يعني بالضرورة إغلاق مضيق هرمز و توقف الصادرات النفطية نحو العالم و تهديد حركة التجارة العالمية ” حرب الناقلات النفطية بالخليج إبان الحرب الإيرانية العراقية مثال “، فإيران الأمس ليست هي إيران اليوم، آنذاك كانت تفتقد للسلاح و الصواريخ … أما اليوم هي تتقن تصنيعها محليا و بكل المديات و الأصناف ” إسقاط مفخرة الصناعة الحربية الأمريكة الجوية كانت بصاروخ خرداد 3 من صنع إيراني 100/100″، بحسب موقع غلوبال فاير باور الأمريكي صنف فيه الجيش الإيراني في المرتبة 13 لأفضل الجيوش عالميا لسنة 2019، دون احتساب فيلق القدس و قوات الحرس الثوري و الإحتياط .
4/ فتح كل جبهات ما أسميتهم بقوس النار حيث من المرتقب أن يتم تفعيل جبهة سوريا الجولان إسرائيل / جبهة قطاع غزة و ما لها من تأثير على الداخل الإسرائيلي / جبهة جنوب لبنان شمال إسرائيل و تداعياتها على العمق الإسرائيلي و هنا بالذات أستحضر حرب تموز 2006 و ما عاشته الدولة العبرية و ما نجم عن الحرب من تداعيات لا زالت تئن تحت وطأتها حتى اليوم / جبهة اليمن و التهديد الذي يشكله الحوثيون على الملاحة بالبحر الأحمر في اتجاه الشمال نحو ميناء ايلات و قناة السويس، فضلا عن امتلاكهم لصواريخ باليستية و طائرات مسيرة تهدد بها  العمق الإسرائيلي أسوة بما فعله الحوثيون بالسعودية …
5/ أكيد أن أمريكا متفوقة عسكريا و هي القوة العظمى الأولى بالعالم، لكن المؤكد في المقابل أنها لا تجرؤ على شن حرب بمفردها في غياب تحالف دولي ” حرب الخليج الأولى و الثانية على العراق  مثال حي “، أدواتها اليوم مبعثرة مقابل قواهم المهرولة طالبة الحماية ” دول الخليج مجتمعة ” و فاقد الشيء لا يعطيه، فضلا عن كونهم حواضر و مدن من زجاج شفاف سهل الإختراق، أما بريطانيا فلم يعد لها شأن في مسرح السياسة العالمية عدا حق الفيتو، فيما فرنسا تترنح في مالي و تتأرجح بدول الساحل و الصحراء بعدما فقد هيبتها و نفوذها في مستعمراتها السابقة، فماذا بقي إذن في جعبة الكاوبوي …؟  
6/ الأزمة الإقتصادية التي ترخي بظلالها اليوم على العالم الغربي بخاصة مجمل الدول الأوروبية ” فرنسا/ البرتغال/ إيطاليا/ اليونان …”، و هي دول في معظمها مستوردة للطاقة من منطقة الخليج المضطربة، فضلا عما يمثله انعدام الإستقرار في هذه المنطقة على وارداتها النفطية، فكيف سيصبح عليه الوضع في حالة نشوب حرب بين أمريكا و محور إيران ؟ و ما هي قابليتها و استعداداتها على تقبل أفواج النازحين و الهاربين من أثون الحرب ” تداعيات الأزمة السورية و العراقية مثال ” ؟  
كما جزمت الأمس في إحدى مقالاتي المنشورة على الجديدة نيوز و قلت حينها أن لا حرب في الأفق بين إيران و أمريكا، أجزم اليوم بأن أمريكا غير قادرة على شن حرب بمفهومها التقليدي، حيث يستدعي الأمر تجييش ما يربو عن 500.000 عسكري مدججين بمختلف الأسلحة النوعية و الحديثة، و هذا غير متوفر اليوم، إضافة لتغطية سياسية أممية ” العراق مثال”، بينما المتواجد حاليا حفنة ببضعة آلاف متفرقة بين العراق/ سوريا/ السعودية/ الكويت … و هي بالمطلق لا تكفي لشن حرب على بلد بشساعة و مقدرات إيران … قد تكون هناك مناوشات متفرقة هنا و هناك أو بالوكالة لإثبات الوجود و التواجد، لكنها تبقى في الأخير مجرد قفشات و هرطقات لا تسمن و لا تغني من جوع . 
أمريكا اللحظة تعيش أسوء كوابيسها في تاريخها الحديث، و ينطبق عليها ما انطبق بالأمس على الإتحاد السوفياتي … قصتها كحكاية الأسد و القرد ” السبع ملي كيشرف كيضحكو لقرودة “، و ليس أمامها سوى حلين إثنين لا ثالث لهما ( اختيار طواعية إجلاء جنودها و هي تجر أذيال الخيبة و هذا يتطلب بعض الوقت و مفاوضات مساومة على ما بقي لها من مصالح، من منطلق رؤية التيس الأشقر الذي وعد بها إبان حملته الإنتخابية الأولى بإعادة الجنود إلى الديار / أو الإنتحار و الإستعداد لاستقبالهم في طوابير الصناديق الخشبية محمولة على أكتاف من بقي …)، و في كلتى الحالتين يعد هذا في حد ذاته إجلاء و جلاء و قتلا في المهد للعهدة الرئاسية الثانية، و لعلي بالأشقر اليوم قد طارت نشوته و ندم على مقامرته بهيبة أمريكا على إثر عملية  الإستهداف . 
فشتان ما بين من ابتغى الشهادة و الإيثار و من عشق خصر الحسناوات و عبد الدولار … و إلى مقال آخر .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

الدار البيضاء تم زوالا اليوم توقيف شخص من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في ارتكابه عملتي سرقة تحت التهديد على متن حافلتين للنقل العمومي

الدار البيضاء تم زوالاليوم توقيف شخص من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في ارتكابه عملتي سرقة ...