رسالة رشيد الغنوشي، إلى شباب حركة النهضة.

بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أبنائي شباب حركة النهضة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورحمة من الله واسعة في هذا الشهر المبارك.
بلغتني كلماتكم في اول أيام رمضان فلامست القلب، وكانت لي في هذا المقام الضيق فسحة أمل وسعة أفق. أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعل رمضان محطة تزكية وتجديد عهد مع قيم الحق والعدل والحرية.
أبنائي الأعزاء،
إن السجن في ميزان المؤمن ابتلاء، والابتلاء باب من أبواب التربية الربانية، به تُمحّص الصفوف وتُختبر النوايا وتُصقل العزائم. وقد علّمنا القرآن أن الحرية أولاً معنى يسكن القلب قبل أن تكون حركة في الفضاء؛ فمن كان قلبه حرًّا بالإيمان، عزيزًا بالحق، ثابتًا على المبدأ، فلن تُقيده جدران ولا تُخرسه قيود.
لقد جاء الإسلام رسالة تحرير للإنسان: تحريرًا من عبودية الهوى، ومن ظلم الاستبداد، قال تعالى: “لا إكراه في الدين”، فكانت قاعدة في كرامة الإنسان واختياره، وجاء في مقاصد الشريعة حفظ النفس والعقل والكرامة، وهي أصول لا تستقيم إلا في ظل عدل وحرية ومسؤولية.
إن أوطاننا لا تبنى بالقهر، ولا تستقر بالظلم، وإنما تقوم على الشورى، والعدل، واحترام إرادة الناس. والديمقراطية – بما هي آليات سلمية لتداول السلطة، وضمان للحقوق، ليست غريبة عن روح الإسلام، بل هي منسجمة مع مقاصده الكبرى في منع الاستبداد وصيانة الكرامة. قد تتعثر المسارات، وقد تطول الطريق، ولكن سنة التاريخ أن الشعوب الحية لا تموت، وأن إرادة الحرية لا تُهزم إلى الأبد.
أوصيكم – كما أوصيتكم دائمًا – أن تجعلوا من الصبر زادًا، ومن الحكمة منهجًا، ومن العلم رصيدا. لا يحملنّكم الألم على الغلو، ولا يدفعنّكم الظلم إلى اليأس. فالتغيير الحقيقي هو ما كان أخلاقيًا، جامعًا، يفتح أبواب الوطن لكل أبنائه دون إقصاء أو تشفٍّ.
تونس مستقبلها الحرية، ولو بعد حين. مستقبلها دولة قانون، ومؤسسات، وتداول سلمي على السلطة، واحترام للتعدد والاختلاف. قد تمر الأمم بمخاض عسير، لكن رحم التاريخ لا يلد إلا ما يوافق سنن الله في التدافع: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”.
أبنائي،
اثبتوا على القيم، والمبادئ واجعلوا ولاءكم للحق والعدل،. فإن بقيتُ بينكم أو غبتُ عنكم، فالمعاني أكبر من الأفراد، والمشروع أوسع من الأشخاص، والحرية أمانة الأجيال.
أسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت، وأن يكتب لبلادنا فرجًا قريبًا، وأن يجعل هذا الشهر فاتحة خير على تونس وأهلها جميعًا ولا تنسو اخوانكم في فلسطين في دعائكم..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته





