رسالة سلام نوعية

بقلم أبو أيوب

    “نحن نبتغي السلام ولا نحرض على أحد وإن لم تتعضوا فبنك الأهداف يتسع لأكثر بكثير”، رسالة اليمنيين لمن بقي في تحالف مرتجل متهور قديم . عملية اليوم في قلب السعودية الإقتصادي لا يمكن حصرها في مجال الطاقة، بل لها ارتباطات متعددة بابعاد متنوعة العسكرية/ الأمنية/ الإستخباراتية من زاوية استراتيجية بعيدة الأمد .

    إقتصاد البلد مقتصر بشكل شبه كلي على النفط ومشتقاته، حوالي عشرة مليون برميل نفط يوميا تتم معالجتها في أكبر معملين للتكرير في العالم “معمل بقيق ومعمل حريص شرق السعودية اللذان استهدفا مهدا لخسارة قرابة 350 مليون دولار يوميا كمبيعات نفطية”، أما توقيت الإستهداف فقد اختير بعناية فائقة مما يدل على خبرة عقل استراتيجي وليس تكتيكي مرحلي، بمعنى مصادفة الإستهداف للوقت الذي تعرض فيه شركة أرامكو السعودية أسهمها للبيع في بورصة نيويورك، حيث فقدت جراء هذا الإستهداف ما نسبته 100/3 من قيمتها بينما كانت تأمل تحقيق أرباح بملايير الدولارات، فضلا عن حرمانها من أكثر من نصف صادراتها النفطية بأكثر من 5 ملايين برميل يوميا، أي ما يعادل ثلث الإحتياجات اليومية النفطية العالمية وفي الوقت نفسه الذي يراد فيه تصفير صادرات إيران، ولا يبدو بحسب الخبراء أنها تستطيع إصلاح الخسائر في وقت وجيز كون العملية ستتطلب عدة أسابيع، سوف يتلوها بالضرورة ارتفاع في الأسعار قد يصل في مرحلته الأولى إلى عشر دولارات في البرميل .

    المتضرر الأول هي الدول الأوروبية كما أشرنا لذلك في مقالات سابقة، فهي لن تقوى على إيقاف الضخ وارتباك السوق وما ينتج عنه من ارتفاع للأسعار والتكلفة …، في هذه اللحظة التي تفاوض فيها إيران بشأن الملف النووي حيث سحبت منها أوراق وضعف موقعها التفاوضي من خلال الضربة، وسوف تجبر على تقديم تنازلات والرضوخ لبعض الإملاءات .

    إختيار الإستهداف بحرفية ودهاء في الخريف وعلى مقربة من إطلالة فصل الشتاء، الفصل الذي يكثر فيه الطلب على النفط والغاز في أوروبا خاصة وباقي الربوع عامة، توقيته يرمي إلى خنق اقتصادات الغرب عموما والقارة العجوز أوروبا خصوصا وممارسة ضغوط على دولها وتجمعاتها السياسية والإقتصادية، من منطلق أن من قام بالإستهداف منتم لحلف معاكس للتوجهات الغربية ولسياساتها بالمنطقة، كما تتجلى الحنكة من خلال القول أن العمليات العسكرية تأتي ضمن مضامين القانون الدولي وحق الدفاع المشروع الذي تكفله تلك القوانين، وبالتالى لا أحد باسطاعته مطالبة اليمنيين بعدم الرد على العدوان بينما هم يتعرضون للقصف والتقتيل منذ خمس سنوات وبأسلحة غربية !!!!.

    أكيد أن إيران تستفيد من الوضع الحالي ولربما تكون هي من أوعزت به أو شجعته أو خططت له دون بصمات … تدرج الإستهداف ونوعية الأهداف المنتقاة أشرا على فشل كل المنظومة الدفاعية والأمنية والإستخباراتية التي ساهمت أمريكا ومن ورائها أوروبا في إرسائها بدول الخليج، عسكريا فشلت الحرب على اليمن بعدما كان القصف والتدمير في العمق اليمني والعاصمة صنعاء، إنقلبت المعادلة اليوم وتغيرت قواعد الإشتباك فأصبح العمق الإقتصادي والأمني السعودي هو المستهدف من خلال عمليات نوعية بوقع أشد وأكثر ، استخباريا لم تستسطع الأقمار الصناعية التجسسية ولا الرادارات الأرضية ولا طائرات الإستطلاع المبكر الأواكس ولا الصواريخ الإعتراضية من تحقيق أي إنجاز يذكر .

    عملية اليوم تطرح عدة تساؤلات، ماذا لو استهدف ميناء الينبوع “أقل مسافة وأقرب للحدود اليمنية” مصب أنبوب النفط الآتي من الحقول النفطية شرق السعودية والمطل على البحر الأحمر ؟ ثم ماذا لو تحركت الأكثرية الشيعية شرق السعودية حيث تتواجد مجمل الثروات النفطية ؟ إنتفاضة شعبية مثلا أو حراك سلمي بمطالب اجتماعية قد تتطور لعصيان مدني “حالة البحرين مثال” … ثم ماذا سيؤول إليه الوضع في المملكة في حالة تنوع عمليات الإستهداف بشكل تدريجي تصاعدي، لتشمل محطات توليد الكهرباء أو تحلية المياه … ؟ ثم ماذا في وسع أمريكا والغرب القيام به ؟ وهل تستطيع أمريكا أو روسيا مثلا تعويض حصة السعودية والنقص في الأسواق ؟ وماذا ستصبح عليه تكلفة الطاقة وما هي المضاعفات ؟  

    نوعية الإستهداف تعتبر رسالة سلام رغم كارثيتها ومضاعفاتها، مضمونها يقول بالعدول عن منطق الحرب والجنوح للسلم وفق شروط وضوابط معينة تستمد شرعيتها من القانون الإنساني “عيش كريم / إحترام متبادل /حرية /شرف/ عزة وكبرياء” ، دون هذا حافة الهاوية وعض أصابع وتقليم أظافر سوف تؤدي بالضرورة إلى تشظي دول ومجتمعات أوروبية وعربية، مما سوف يساهم في فوضى عالمية دون الحاجة إلى حرب عالمية ثالثة، لأنها ببساطة انطلقت منذ أحداث 11 سبتمبر يوم صرح بوش الإبن ببداية الحرب الصليبية وأن الله اختاره لتخليص الإنسانية … قبل أن يتراجع ويقول إما معنا أو ضدنا، حيث تعرض العالم لأكبر خدعة وأكذوبة ضد الإسلام والمسلمين “أفغانستان/ العراق فيما بعد/ جنوب لبنان/ غزة/ ليبيا/ سوريا / اليمن” .

    بتقديري وحسب فهمي وتحليلي للأشياء، كل ما خطط له ورسم تهاوى وأفشل بداية بحرب لبنان 2006، أم الحروب التي توعد بها الإيرانيون شارفت على الإنتهاء قبل أن تبدأ، عملية الحوثيين من خلال توازن الردع تدخل ضمن هذا الإطار، بحيث سيسجل عجز السعودية عن أية ردة فعل ذات بعد استراتيجي أسوة بما سجلته أمريكا وبريطانيا من تراخي وترهل في مواجهة إيران، لينطلق بذلك العد التنازلي لما كان مطلوبا ومبرمجا له، تدمير حلف المقاومة وعلى رأسه إيران أو رأس الأفعى كما يحلو للغرب ومن والاه تسميتها .

    سواء اختلفنا معها أم تراضينا وتغاضينا، تبقى إيران غصة في حلق الأصيل والوكيل بعدما لقنتهما دروسا في الكرامة والكبرياء وعدم الخضوع والخنوع والإستسلام، كما علمنا بالأمس حزب الله في جنوب لبنان مهما اختلفنا معه بكون الغرب والأدوات لا يؤمنون إلا بمنطق الردع والقوة “كوريا الشمالية مثال”، أما القرارات والشرعية والمنتظم الدولي فقد تبولوا عليها “غزو العراق بدون قرار أممي أو تمزيق الإتفاق النووي …” .

    ضربة اليوم ضربة معلم بامتياز وخلط للأوراق وبعثرة للملفات، بل ومن تداعياتها الأولى التسريع في وضع حد لأزمة اليمن وانكفاءة السعودية وانعزالية أمريكا وتقوقع أوروبا وفزع وحصار إسرائيل، هروب رئيس وزرائها من نشاط انتخابي بمجرد سماعه لصفارات الإنذار، ساهم في نشر أجواء من الخوف والرعب في قلوب المستوطنين كما أنتج تراجعا رهيبا في شعبيته، حادث تناقلته مختلف الصحف العبرية والقنوات الإسرائيلية بين غاضب ومندد وساخر متسائل، هل تكون الزعامات التي يأتمنها الغرب على مصالحه في المنطقة ؟ وهل رأس حربته وصلت هذا الحد من الضعف والوهن ؟ وهل شارفت على انتهاء مدة الصلاحية …؟.

    يقول أحدهم واهم من ارتهن للمقامر المراهن، وواهم من اصطف إلى جانبه وخضع لمشيئته وخنع لابتزازه ومن به ريب، فاتساع بنك الأهداف المرتقب ونوعية الإستهداف كفيل بإقناع المترددين ورثق عقول المتنمرين، استدراكا وتحاشيا لوصول الأمور إلى شفير الهاوية، عقلية التاجر ربح ثم ربح وبالتالي لا تحتمل الخسارة لا سيما في بعدها وعنوانها الزماني حيث يتقلص هامش الربح ومعها يتقلص هامش المناورة .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

ضيحة مدوية تهز ٱيت سدرات السفلي ضواحي تنغير..و هذه تفاصيلها

جهة درعة تافيلالت ضيحة مدوية تهز ٱيت سدرات السفلي ضواحي تنغير..و هذه تفاصيلها