
بقلم ذ. شعيب الخدالي
هل الإفطار عند المرض ضعف في الإيمان؟ أم امتثال لروح الشريعة؟
نقاش حول الصيام المسؤول بين المقاصد الشرعية والواقع الصحي.
يحلّ علينا شهر رمضان المبارك، شهر التقوى ومراجعة الذات، غير أن الصيام، رغم مكانته التعبدية العظيمة، لم يُشرع ليكون مشقة على الأجساد أو امتحانًا قاسيًا للقدرة البدنية، بل عبادة تقوم في جوهرها على التوازن بين متطلبات الروح ومقاصد حفظ النفس. ومع اقتراب هذا الشهر الفضيل، يتجدد النقاش حول الصيام والصحة، خاصة لدى المصابين بأمراض مزمنة يجدون أنفسهم بين رغبة صادقة في أداء الفريضة، وخشية حقيقية على سلامتهم.
فالواقع يُظهر أن كثيرًا من المتاعب المرتبطة برمضان لا تعود إلى الصيام في حد ذاته، بل إلى غياب الاستعداد الصحي، وسوء تقدير القدرة الجسدية، والاعتماد على الإحساس الذاتي بدل التشخيص الطبي الدقيق. فكثير من المرضى يشعرون براحة مؤقتة بفعل الأدوية، فيظنون أن الصيام ممكن، بينما يكون هذا الاستقرار رهينًا بتوازن علاجي دقيق يختلّ بمجرد الامتناع الطويل عن الأكل والشراب.
وفي هذا السياق، يقدّم الفقه الإسلامي، وفق المذهب المالكي، تصورًا واضحًا ومسؤولًا لمسألة إفطار المريض، مؤسسًا على نصوص صريحة من القرآن والسنة. فالله تعالى يقول: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وهي آية تؤكد أن التكليف مرتبط بالاستطاعة، لا بالمشقة المؤدية إلى الضرر.
ويعزز هذا التوجه ما ثبت في السنة النبوية من تعظيم مبدأ التيسير، إذ قال النبي ﷺ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته»، في دلالة واضحة على أن الأخذ بالرخصة طاعة في ذاتها، لا ضعفًا في الإيمان.
وانطلاقًا من هذا التأصيل، تصبح الاستشارة الطبية قبل رمضان ضرورة لا غنى عنها، خاصة لدى مرضى السكري، وأمراض القلب والشرايين، وأمراض الكلى، وارتفاع ضغط الدم غير المتحكم فيه، إضافة إلى النساء الحوامل أو المرضعات في ظروف صحية خاصة.
ومن هذا المنطلق، يظل من المفيد توجيه النداء إلى وزارة الصحة، بحكم أنها الوصية على الشؤون الصحية للمواطنين، من أجل إرساء آليات منظمة للاستشارة الطبية قبيل حلول شهر رمضان، تتيح تقييم القدرة على الصيام، وتسهّل الولوج إلى الطبيب، خاصة للفئات ذات الظروف المادية الصعبة، وتحدّ من ترك المرضى بين مجازفة فردية أو حرج ديني غير مؤسس على سند علمي.
إن الصيام، حين يُمارس بوعي ومسؤولية، يكون عبادة تجمع بين التقوى وحكمة الحفاظ على الصحة، ويعكس روح دين قائم على الرحمة ورفع الحرج، لا على المشقة والمخاطرة. فالإفطار عند المرض ليس ضعفًا في الإيمان، بل امتثالًا صادقًا لروح الشريعة ومقاصدها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ونسأل الله أن يبلغنا شهر رمضان، وأن يجعله شهر رحمة ومغفرة، تتبدل فيه السيئات حسنات، ويكتبنا فيه من الفائزين بفضائله ومن عتقائه من النار.





