رواية “أولاد حارتنا” .. تشريحٌ وجوديٌ للسلطةِ والإيمانِ في متاهةِ الحارةِ الإنسانية

الروائى خالد حســــــين
روايات عالمية…
أولاد حارتنا
تشريحٌ وجوديٌ للسلطةِ والإيمانِ في متاهةِ الحارةِ الإنسانية
لنجيب محفوظ
===========
من أكثرِ الأعمالِ الأدبيةِ إثارةً للجدلِ فلسفيًّا وسياسيًّا ودينيًّا. ليستْ مجردَ سردٍ لصراعاتِ أبناءِ حارةٍ مصريةٍ، بل هي رحلةٌ عميقةٌ إلى جذورِ الوجودِ الإنسانيِّ
===========
♣︎♣︎ مقدمة: الرواية كمرآةٍ للوجودِ والثورةِ
في عالمٍ حيثُ تذوبُ الحدودُ بينَ الأسطورةِ والواقعِ، تطفو روايةُ أولاد حارتنا (1959) للأديبِ المصريِّ نجيب محفوظ (1911–2006) كواحدةٍ من أكثرِ الأعمالِ الأدبيةِ إثارةً للجدلِ فلسفيًّا وسياسيًّا ودينيًّا. ليستْ مجردَ سردٍ لصراعاتِ أبناءِ حارةٍ مصريةٍ، بل هي رحلةٌ عميقةٌ إلى جذورِ الوجودِ الإنسانيِّ، حيثُ تتصارعُ الإرادةُ البشريّةُ مع سلطةِ المطلقِ، وتتجلّى الثوراتُ كحلقاتٍ مكرورةٍ من الأملِ والخيبةِ. كتبَ محفوظُ الروايةَ في لحظةٍ تاريخيةٍ حرجةٍ لمصرَ ما بعدَ ثورةِ 1952، مُستلهِمًا أسلوبَ جورج أورويل في صياغةِ الرمزيةِ السياسيةِ المُعقدةِ.
♣︎♣︎ أولاد حارتنا: سردٌ ملحميٌّ لصراعِ الإنسانِ مع القدرِ والسلطةِ في دهاليزِ الخلود
في زاويةٍ من زوايا القاهرةِ القديمةِ، حيثُ تُخيِّمُ رائحةُ الترابِ البالي وأصواتُ الباعةِ المتجولينَ كأنَّها صدى زمنٍ غابرٍ، تنبثقُ حارةٌ غامضةٌ تُشبهُ العالمَ كلَّه. هنا، تحتَ سماءٍ لا تُضيءُ إلَّا نادرًا، تُحاكُ أسطورةٌ عن جدٍّ عظيمٍ اسمُه جبلاوي، يسكنُ قصرًا شامخًا في أطرافِ الحارةِ، مُحاطًا بأسوارٍ عاليةٍ وأسرارٍ مُظلمةٍ. تركَ جبلاوي الحارةَ لأبنائِه الأوائلِ: إدريس المُتمردِ، وأدهم المُطيعِ، لكنَّ خطيئةً غامضةً — سرقةُ الكتابِ المُحرَّمِ — تُلقي بأدهمَ خارجَ القصرِ إلى الأبدِ، ليبدأَ سلالةً من الأحفادِ الذين سيتوارثونَ لعنةَ الحارةِ وصراعَها الأبديَّ مع الفتواتِ (حراسِ الظلامِ).
الجيل الأول: أدهمُ.. طردٌ من الجنَّةِ.
تبدأُ الحكايةُ بأدهمَ، الابنِ البارِّ الذي يعيشُ مع زوجتِه أميمةَ في ظلِّ القصرِ. لكنَّ الفضولَ الوجوديَّ يدفعُه لاختراقِ غرفةِ جبلاويَ المُحرَّمةِ، حيثُ يسرقُ كتابًا يضمُّ أسرارَ الخلقِ. يُطردُ أدهمُ إلى الحارةِ، فيتحوَّلُ إلى رمزٍ للبشريَّةِ المُشرَّدةِ التي تبحثُ عن العدلِ. يموتُ أدهمُ مسمومًا بعد أن يَخلُفُ ولدَينِ: جبلٌ ورفاعةَ، بينما تتحوَّلُ أميمةُ إلى امرأةٍ مجنونةٍ تهمسُ للرياحِ بأسرارِ القصرِ.
الجيل الثاني: جبلٌ.. صاعقةُ الغضبِ.
يرثُ جبلٌ — ذو البنيةِ الفولاذيةِ — غضبَ أبيهِ، فيُعلنُ الحربَ على الفتواتِ (الذين يحكمونَ الحارةَ بالعصا والرشوةِ). بمساعدةِ عصا سحريةٍ (رمزُ القوةِ الإلهيةِ)، يهزمُ جبلٌ الفتواتَ ويصبحُ زعيمًا. لكنَّ السلطةَ تُفسدُه: يتحوَّلُ إلى طاغيةٍ جديدٍ، يُنكرُ وعودَهُ بالعدلِ، ويُصادرُ أرزاقَ الفقراءِ. ينتهي بهِ المطافُ مقتولًا بخنجرِ أحدِ أتباعِه، بينما تُحرَقُ عصاهُ السحريةُ، كإشارةٍ إلى تحوُّلِ المُقدَّسِ إلى أداةِ قمعٍ.
الجيل الثالث: رفاعةُ.. شهيدُ الحبِّ.
يأتي رفاعةُ، الابنُ الهادئُ الذي يحملُ قلبًا مليئًا بالرحمةِ. يُعلنُ أنَّ الحبَّ هو القانونُ الوحيدُ للحارةِ، فيجذبُ الفقراءَ والمهمشينَ بكلامِهِ الساحرِ. لكنَّ خطابَهُ يهددُ الفتواتَ، الذين يتآمرونَ مع كهنةِ المعبدِ (الذين يخشونَ فقدانَ نفوذِهم). يُطعنُ رفاعةُ في ظهرِه أثناءَ إلقاءِ موعظةٍ، ويرميهِ أتباعُه أنفسُهم في النهرِ خوفًا من انتقامِ الفتواتِ. تبقى كلماتُه الأخيرةُ: الحبُّ سيأتي… ولو بعدَ ألفِ عامٍ، تُلهمُ جيلًا جديدًا.
الجيل الرابع: قاسمٌ.. سيفُ الحقِّ المقسومِ.
يظهرُ قاسمٌ، المحاربُ الشجاعُ الذي يجمعُ بينَ القوةِ والحكمةِ. يرفعُ سيفًا مكتوبًا عليهِ الحقُّ فوقَ القوةِ، ويوحِّدُ الحارةَ تحتَ رايةٍ واحدةٍ. لكنَّ الانتصارَ لا يكتملُ: ينقسمُ أتباعُه إلى فرقٍ تُقاتلُ بعضَها باسمِ الدفاعِ عن قاسمَ. يُقتلُ قاسمٌ في كمينٍ، ويُسرقُ سيفُه، ليتحوَّلَ رمزُ العدلِ إلى أداةٍ للصراعاتِ الطائفيةِ. تبدأُ الحارةُ عهدًا جديدًا من الفوضى، حيثُ يُعادُ كتابةُ تاريخِ قاسمَ كأسطورةٍ مُزيَّفةٍ.
الجيل الخامس: عرفةُ.. كيمياءُ العقلِ والدمارِ.
عرفةُ، الابنُ الأكثرُ غموضًا، لا يحملُ سيفًا ولا عصًا، بل قلمًا وقارورةَ كيمياءٍ. يكتشفُ سرَّ المادةِ الأولى التي بُنيَ منها القصرُ، ويحلمُ بهدمِ أسوارِهِ ليعرفَ الحارةُ حقيقةَ جبلاويَ. لكنَّ تجاربَهُ تخرجُ عن السيطرةِ: تنفجرُ مختبراتُه، وتموتُ زوجتُه في الحريقِ، بينما يهربُ الفتواتُ لقتلِه. في اللحظةِ الأخيرةِ، يُدخلُ عرفةُ السمَّ إلى جسدِ جبلاويَ (الذي يظهرُ للمرةِ الأولى كرجلٍ عجوزٍ هشٍّ)، فيموتُ الجدُّ، وينهارُ القصرُ. لكنَّ الحارةَ لا تتحررُ: تنتشرُ الشائعاتُ بأنَّ عرفةَ سرقَ الكتابَ المقدسَ، ويُصبحُ العلمُ نفسُه لعنةً جديدةً.
★ النهايةُ.. أسئلةٌ بلا إجاباتٍ.
بينما تتهاوى أنقاضُ القصرِ، يبحثُ صديقُ عرفةَ — الراوي المجهولُ — عن الكتابِ المفقودِ في أكوامِ القمامةِ. يسمعُ همساتِ الحارةِ: جبلاوي لم يمتْ… إنَّه يراقبُنا من مكانٍ آخرَ. تظلُّ الحارةُ تُعيدُ إنتاجَ نفسِها: فتواتٌ جددٌ، أبطالٌ جددٌ، وثوراتٌ تُختَطَفُ. لكنْ في زاويةٍ مظلمةٍ، طفلٌ يقرأُ أوراقًا ممزقةً من كتابِ أدهمَ، بينما تهبُّ رياحٌ غريبةٌ كأنَّها تحملُ صوتَ جبلاويَ: لن تنتهي اللعبةُ….
☆☆☆ هكذا، تتحوَّلُ الروايةُ إلى سيمفونيةٍ مأساويةٍ عن الإنسانِ الذي يُصارعُ قدَرَه: يبحثُ عن الحقيقةِ في كتابٍ مُحرَّمٍ، ويحملُ سيفَ العدلِ في عالمٍ لا يعرفُ إلَّا الظلمَ، ويصنعُ عِلمًا يُحرِّرُهُ ويقتلُهُ في الوقتِ نفسِه. كلُّ جيلٍ يكررُ سؤالَ أدهمَ الأولَ: لماذا نحنُ هنا؟، وكلُّ جيلٍ يُجيبُ بإصرارٍ: لن نستسلمَ.
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله
الروائى خالد حســــــين
إلى هنا انتهى التلخيص…. شكرا جزيلا
=======
♣︎♣︎ السياق التاريخي الثقافي الاجتماعي لرواية أولاد حارتنا: تشريحٌ لجذورِ الثورةِ والتابوهاتِ في مصرَ القرنِ العشرين
في خريفِ عامِ 1959، بينما كانتْ مصرُ تعيشُ ذروةَ صراعِها بينَ مشروعِ عبد الناصرِ التحديثيِّ وبينَ القوى التقليديةِ المتمثلةِ في الإخوانِ المسلمينَ والأزهرِ، نشرَ نجيب محفوظُ روايتَه الأكثرَ إثارةً للعاصفةِ: أولاد حارتنا. لم تكنْ هذه الروايةُ مجردَ عملٍ أدبيٍّ، بل كانتْ وثيقةً تاريخيةً مكتوبةً بدمِ التناقضاتِ المصريةِ، تعكسُ تحوُّلاتِ مجتمعٍ يختنقُ بينَ مطرقةِ الاستعمارِ البريطانيِّ وسندانِ الاستبدادِ المحليِّ.
♧ السياق السياسي: ثورةُ 1952 وظلالُها.
كتبَ محفوظُ الروايةَ في أعقابِ ثورةِ 1952 مباشرةً، التي بدأتْ كحلمٍ بتأسيسِ جمهوريةِ العدلِ وانتهتْ إلى نظامٍ شموليٍّ. كانتْ مصرُ آنذاكَ تعيشُ صراعَ الهُويةِ:
– إلغاءُ النظامِ الملكيِّ (1953) ومصادرةُ أراضي الإقطاعيينَ (قانونُ الإصلاحِ الزراعيِّ 1952) خلقا صدمةً طبقيةً، ترمزُ إليها الحارةُ في الروايةِ بصراعِ الفقراءِ ضدَّ الفتواتِ (الإقطاعِ الجديدِ).
– تحالفُ الضباطِ الأحرارِ مع المؤسسة الدينية لإضفاءِ الشرعيةِ على الثورةِ، وهو ما يُشبهُ تحالفَ الفتواتِ مع كهنةِ المعبدِ في الروايةِ لاستمرارِ السيطرةِ.
– قمعُ الإخوانِ المسلمينَ بعدَ محاولةِ اغتيالِ عبد الناصرَ عامَ 1954، وهو الحدثُ الذي يُفسرُ تصويرَ محفوظَ للفتواتِ كقوةٍ دينيةٍ-سياسيةٍ متوحشةٍ.
لكنَّ محفوظَ — العاشقَ السريَّ للفلسفةِ الاشتراكيةِ — لم يكنْ مُنحازًا تمامًا للثورةِ. في مذكراتِه كتبَ: عبد الناصرَ أعطانا كبرياءَ الوطنِ، لكنَّهُ سرقَ حريةَ الفردِ. هذه الازدواجيةُ تتجسدُ في شخصيةِ عرفةَ، الذي يمثِّلُ المثقفَ العِلمانيَّ المحبطَ من تحوُّلِ الثورةِ إلى ديكتاتوريةٍ.
♧ السياق الثقافي: معركةُ التراثِ والحداثةِ في زمنِ السيناريوهاتِ السريةِ.
في الخمسينياتِ، كانتْ مصرُ ساحةً لحربِ ثقافاتٍ خفيةٍ:
– الصالوناتُ الأدبيةُ السريةُ في شارعِ علويِّ بحيِ الزمالكِ، حيثُ كانَ المثقفونَ (مثلَ طه حسينَ ويوسف إدريسَ) يناقشونَ كتاباتِ فرويدَ وماركسَ خوفًا من الرقابةِ. هذه البيئةُ ألهمتْ محفوظَ لخلقِ عالمِ الحارةِ كفضاءٍ مُقفلٍ تُنتهكُ أسرارُه.
– الترجمةُ السريةُ لنصوصِ الوجوديةِ الفرنسيةِ: وصلتْ كتبُ سارترَ وكامو إلى مصرَ عبرَ بحارةِ الإسكندريةِ، وتمَّ تداولُها خلسةً. تأثيرُها واضحٌ في فكرةِ العبثِ التي تحكمُ مصيرَ أبطالِ الروايةِ.
– الصراعُ بينَ الأدبِ الملتزمِ والفنِّ للفنِّ: اتحادُ الكتَّابِ المصريينَ — تحتَ رعايةِ الدولةِ — شجَّعَ الأعمالَ التي تمجِّدُ الثورةَ، لكنَّ محفوظَ تمردَ بكتابةِ روايةٍ تنتقدُ كلَّ السلطاتِ.
أما الرمزيةُ الدينيةُ في الروايةِ، فلم تكنْ مجردَ إثارةٍ، بل كانتْ جزءًا من حركةٍ ثقافيةٍ أكبرَ:
– في 1957، نشرَ خليل عبد الكريمِ كتابَ القصةُ الدينيةُ في مصرَ بينَ التاريخِ والأسطورةِ، الذي هاجمَ فيه روايةَ الحرافيشَ لمحفوظَ، مُتهمًا إياهُ بـتشويهِ التراثِ. هذا الجدلُ هو ما دفعَ محفوظَ لاحقًا إلى تحويلِ أولاد حارتنا إلى استعارةٍ كونيةٍ بدلًا من الربطِ المباشرِ بالأنبياءِ.
♧ السياق الاجتماعي: تشريحُ جسدِ الحارةِ المصريةِ الموبوءِ.
الحارةُ في الروايةِ ليستْ مكانًا خياليًّا، بل هي تكثيفٌ سوسيولوجيٌّ لمصرَ ما بعدَ الاستعمارِ:
– الطبقةُ الوسطى المثقفةُ المنكسرةُ: يمثِّلُها عرفةُ، الذي يُشبهُ جيلَ الخمسينياتِ الذي تخرَّجَ من الجامعةِ بآمالٍ ثوريةٍ، لكنَّهُ واجهَ البطالةَ وقمعَ اجهزة الدولة السرية.
– التحالفاتُ الطبقيةُ الهشَّةُ: تحالفُ الفتواتِ مع صغارِ التجارِ (مثلَ شخصيةِ عفريتِ في الروايةِ) يعكسُ واقعَ تحالفِ النظامِ الناصريِّ مع البرجوازيةِ الصغيرةِ لضربِ الإقطاعِ، ثم خيانةِ تلكَ البرجوازيةِ لاحقًا.
– المرأةُ ككائنٍ مُهمَّشٍ: شخصيةُ نفيسةَ (زوجةُ عرفةَ) التي تموتْ محترقةً دونَ أن تُسمعَ صوتَها، تُجسِّدُ صمتَ النساءِ في المشروعِ القوميِّ الذكوريِّ.
● لكنَّ الروايةَ أيضًا تكشفُ عن تاريخٍ موازٍ لا يُدرَّسُ في المناهجِ:
– المجتمعاتُ الباطنيةُ: في أربعينياتِ القرنِ الماضي، انتشرتْ جماعاتٌ سريةٌ صوفيةِ والتي ادَّعتْ اتصالَها بالملائكةِ، وهو ما يُشبهُ أسطورةَ اتصالِ أدهمَ بجبلاويَ.
☆☆☆ الروايةُ كمقبرةِ أسرارِ القرنِ العشرينَ.
أولاد حارتنا هي روايةُ المُهمَّشينَ التاريخيينَ: الفلاحونَ الذينَ خُدعوا بالثورةِ، المثقفونَ الذينَ سُحقوا تحتَ شعاراتِ التحريرِ، النساءُ اللواتي احترقنَ في صمتٍ. كلُّ هذا لم يكنْ منفصلًا عن السياقِ العالميِّ:
– الحربُ الباردةُ: الروايةُ كُتبتْ أثناءَ أزمةِ السويسِ (1956)، حيثُ تحولتْ مصرُ إلى رهانٍ بينَ الشيوعيةِ والرأسماليةِ.
– صعودُ الصهيونيةِ: شخصيةُ إدريسَ (الشقيقُ المطرودُ) تُشيرُ إلى الروايةِ الصهيونيةِ عن الشعبِ المختارِ، خاصةً أنَّ محفوظَ كانَ يرى — في حواراتِه الخاصةِ — أنَّ الصراعَ العربيَّ-الصهيونى هو تكرارٌ لصراعِ الإخوةِ.
● هكذا، لم تكنْ الروايةُ مجردَ سردٍ، بل مفتاحٌ لفكِّ شفراتِ عصرٍ بأكملهِ،
♣︎♣︎ ما بين السطور.
الأسئلة المُحرَّمة التي دفنها نجيب محفوظ تحت جبل الرمزية.
روايةُ أولاد حارتنا ليستْ مجردَ حكايةٍ عن صراعِ الخيرِ والشرِّ، بل هي مخطوطةٌ مكتوبةٌ بحبرِ الأسئلةِ التي لم يجرؤ محفوظُ على طرحِها صراحةً. عبرَ طبقاتِ الرمزِ، كانَ المؤلفُ يختبئُ خلفَ شخصياتِه ليُعبِّرَ عن أفكارٍ لم تكنْ مُجرَّمةً فحسب، بل مستحيلةَ النطقِ في زمنٍ كانَ فيهِ النقدُ الدينيُ أو السياسيُ يُعادلُ انتحارًا أدبيًّا. إليكَ ما كانَ محفوظُ يُريدُ قولَهُ لكنَّهُ اختارَ إخفاءَهُ في دهاليزِ النصِّ:
1.العقدة المركزية.
عندما يجعلُ محفوظُ جبلاوي — الرمزَ الأقربِ إلى الدكتاتور — شخصيةً غائبةً، عاجزةً، وربما ميتةً في النهايةِ، فإنَّهُ يطرحُ سؤالًا جريئًا: ماذا لو كانَ الدكتاتور فكرةً اخترعَها البشرُ لملءِ فراغِ الخوفِ؟. النصُّ يُلمحُ إلى أنَّ الكتابَ المُقدسَ الذي سرقَهُ أدهمُ ما هو إلَّا دستور ١٩٢٣، والذى الغاه الضباط الأحرار فور قبضتهم على زمام الامور فى مصر وأنَّ الفتواتَ (الأعوان) احتكروا تفسيرَهُ لتحقيقِ مصالحَهم وبعدها تم الغاءه.
في مشهدٍ خفيِّ الدلالةِ، عندما يموتُ جبلاويُ على يدِ عرفةَ، لا تحدثُ كارثةٌ كونيةٌ، بل يستمرُّ العالمُ: إشارةٌ إلى أنَّ فكرةَ الدكتاتور قد تموتُ دونَ أن ينهارَ الوجودُ.
2. الثوراتُ خدعةٌ.. والطغاةُ الجُددُ هم أبطالُ الأمسِ.
محفوظُ — الذي عاصرَ تحوُّلَ ثورةِ 1919 إلى فوضى(ضدَّ الاستعمارِ البريطانيِّ) ، ثم ثورةَ 1952 التي تحوَّلتْ إلى ديكتاتوريةٍ — كانَ يرى أنَّ التاريخَ البشريَّ حلقةٌ مفرغةٌ من الخيانةِ. في الروايةِ، كلُّ بطلٍ (ثائرٍ) يتحوَّلُ إلى طاغيةٍ:
– جبلٌ (الثائرُ الذي يحملُ عصا العدلِ) يُصبحُ مُستبدًّا.
– قاسمٌ (الزعيمُ المُوحِّدُ) تُختَطَفُ مبادئُهُ لتصيرَ أيديولوجيا للقتلِ.
هذا ليسَ تشاؤمًا، بل فضحٌ لآليةِ السلطةِ: فالثورةُ لا تُنهي الظلمَ، بل تُنتجُ طغاةً جددًا بأسماءٍ جديدةٍ.
3. العلمُ هو الأساس.. والعقلُ قادرٌ على أن يصنع المعجزات.
شخصيةُ عرفةَ (العالمِ) ليستْ بطلةً، بل ضحيَّةً لغرورِ العقلِ. اكتشافُهُ المادةَ الأولى — التي يُفترضُ أنْ تُحرِّرَ الحارةَ — يُسبِّبُ دمارًا، لأنَّهُ استخدمَ العلمَ كسلطةٍ استعلائيةٍ، مُكررًا خطأَ الفتواتِ. هنا ينتقدُ محفوظُ العلمويةَ (Scientism)، الفكرةَ التي تعتبرُ العلمَ دينًا بديلًا قادرًا على حلِّ كلِّ المشكلاتِ. بل إنَّ الروايةَ تُلمحُ إلى أنَّ العلمَ — دونَ أخلاقٍ — قد يكونُ أفظعَ من السلطة المطلقة.
4. المرأةُ هي الحارةُ الحقيقيةُ.. التي لا يراها الرجالُ.
النساءُ في الروايةِ — أميمةَ، نفيسةَ — شخصياتٌ هامشيةٌ تُقتلنَ أو تُجنَّنَ، لكنَّهنَّ يُشكِّلنَ الضميرَ الخفيَّ للنصِّ. أميمةُ (زوجةُ أدهمَ) التي تتحوَّلُ إلى مجنونةٍ تهمسُ بأسرارِ القصرِ، هي رمزٌ للتاريخِ المنسيِّ الذي تحاولُ السلطةُ إسكاتَهُ. محفوظُ، الذي عُرفَ بضعفِ تصويرِه للشخصياتِ النسائيةِ، ربما كانَ يعترفُ ضمنيًّا بأنَّ الثوراتِ الذكوريةَ فشلَتْ لأنَّها استبعدَتْ نصفَ المجتمعِ.
5. مصرُ ودوامة التاريخِ.
عبرَ تشبيهِ الحارةِ بـمصرَ المصغرةِ، يطرحُ محفوظُ سؤالًا خطيرًا: هل نحنُ شعبٌ محكومٌ بالتبعيةِ الأبديةِ؟. الفتواتُ (الاستعمارُ، الأنظمةُ العربيّةُ، القوى العظمى) يتناوبونَ على نهبِ الحارةِ، بينما الأبطالُ (الثوارُ) يُولدونَ من نفسِ الترابِ الذي يخونُهم. حتى عرفةُ — رمزُ المثقفِ — يفشلُ لأنَّهُ يحملُ عقليةَ التابعِ: يريدُ تقليدَ جبلاويَ (الغربِ) بدلًا من ابتكارِ نموذجِهِ الخاصِّ.
6. الحريةُ ليستْ قرارًا.. بل لعنةٌ لا نتحملُ ثمنَها.
الروايةُ تُظهرُ أنَّ البشرَ يخافونَ الحريةَ أكثرَ مما يخافونَ القهرَ. عندما يموتُ جبلاويُ (السلطةُ العليا)، تتحوَّلُ الحارةُ إلى جحيمٍ، لأنَّ أحدًا لا يعرفُ كيفَ يحكمُ نفسَهُ. هذا يُذكِّرُ بتحذيرِ دستويفسكي في الإخوةِ كارامازوف: إذا لم يكُنِ اللهُ موجودًا، فكلُّ شيءٍ مباحٌ. محفوظُ يبدو متعاطفًا مع هذه الفكرةِ: فالبشرُ — في غيابِ السلطةِ — يختارونَ العبوديةَ الطوعيةَ.
● الروايةُ كاعترافاتٍ سريةٍ.
ما لم يصرِّحْ بهِ محفوظُ — والذي يمكنُ قراءتُهُ بينَ السطورِ — هو اعترافٌ مزدوجٌ:
– اعترافٌ بالهزيمةِ: فشلُ المشروعِ التنويريِّ العربيِّ في مواجهةِ الاستبدادِ والجهلِ.
– اعترافٌ بالأملِ: الإصرارُ على أنَّ طفلًا ما (في جيلٍ قادمٍ) سيقرأُ أوراقَ الكتابِ الممزقةِ، ويبدأُ لعبةً جديدةً.
● هكذا، تكونُ أولاد حارتنا رسالةً في زجاجةٍ أُلقيتْ في بحرِ الزمنِ، كُتبَتْ بدمِ التناقضِ: ثورةٌ على الثوراتِ، إيمانٌ بلا آلهةٍ،
وهنا يهمس لنا محفوظ فى آذاننا انه لن ينصلح حالنا إلا بعد فك الارتباط الوثيق بين السلطة الدينية والسلطة السياسية.
♣︎♣︎ تحليل هادئ للرواية
لماذا أُسقطَتْ الحارة في دهاليزِ المنعِ؟
لم تكنْ أولاد حارتنا مجردَ عملٍ أدبيٍّ، بل حدثًا ثقافيًّا هزَّ البنى الفكريةَ في العالمِ العربي. نُشرتْ مسلسلةً في جريدةِ الأهرام عامَ 1959، لكنَّ رفضَ الأزهرِ لها — باعتبارها تجسيدًا للتجديفِ عبرَ تمثيلِ الأنبياءِ بشخصياتٍ بشريةٍ — حوَّلها إلى نصٍّ مُحرَّمٍ في مصرَ حتى عامِ 2006، بعدَ وفاةِ مؤلِّفِها. بل إنَّ فتوى الشيخِ عمر عبد الرحمن ضدَّ محفوظِ عامَ 1989، والتي اعتُبرتْ ذريعةً لمحاولةِ اغتيالِه عامَ 1994، جعلتْ من الروايةِ أيقونةً للصراعِ بينَ الحريةِ الأدبيةِ والسلطةِ الدينيةِ.
لكنَّ الروايةَ أيضًا ارتبطتْ بسياقِها الأدبيِّ: فمحفوظ، الحائزُ على نوبلِ الآدابِ عامَ 1988 — الوحيدُ عربيًّا حتى الآن — كانَ يبحثُ عن جسرٍ بينَ التراثِ والحداثةِ. تأثَّرَ بكتاباتِ برنارد شو (خاصةً مسرحيةَ العودة إلى ميثوسيلا)، كما استلهمَ من الواقعيةِ الوجوديةِ لأورويل وكافكا، ليشكِّلَ نصًّا هجينًا بينَ الملحمةِ الدينيةِ والروايةِ الاجتماعيةِ.
♧ التشريح الرمزي: الحارةُ ككونٍ موازٍ.
1. جبلاوي: الإلهُ أم صورةُ السلطةِ المُطلقةِ؟
الشخصيةُ المركزيةُ في الروايةِ هي الجدُّ جبلاوي، الذي يعيشُ في قصرٍ منعزلٍ ويتركُ إدارةَ الحارةِ لأبنائِه. هنا يبدأُ الجدلُ: هل يمثِّلُ جبلاوي الإلهَ أم فكرةَ الحاكم المُستبدِّ الذي يخلقُ النظامَ ثم يختفي، تاركًا البشرَ في صراعٍ أبديٍّ؟ محفوظُ نفى أنْ يكونَ جبلاوي تجسيدًا للإلهِ، قائلًا: لا شيءَ يمثِّلُ اللهَ، إنَّه أعظمُ من أيِّ تشبيهٍ. لكنَّ القراءةَ الفلسفيةَ تُبرزُ أنَّ جبلاوي هو السلطةُ المطلقةُ بكلِّ أشكالِها: الدينيةِ، السياسيةِ، الاجتماعيةِ، التي تفرضُ وجودَها عبرَ الغيابِ، فتُخلِّفُ فراغًا يملؤه الظلمُ.
2. الأبناءُ: الأنبياءُ أم الثوارُ؟
تتوالى الأجيالُ في الحارةِ، كلُّ جيلٍ يُنتجُ بطلًا يُحاولُ تحريرَها من الفتواتِ (الذين يرمزون لرجالِ الدينِ أو الحكامِ المستبدين):
– أدهم يُطردُ من الجنةِ (القصرِ) بعدَ خطيئةِ البحثِ عن معرفةِ الأسرارِ.
– جبل يحملُ العصا لمواجهةِ الفتواتِ، لكنَّ العدلَ يتحوَّلُ إلى ديكتاتوريةٍ جديدةٍ.
– رفاعة يدعو للمحبةِ، لكنَّه يُقتَلُ بتآمرِ الفتواتِ.
– قاسم يحاربُ بالسيوفِ، لكنَّ مبادئَهُ تُختَزلُ في صراعاتٍ طائفيةٍ.
– عرفة (العلم) يُحاولُ استخدامَ الكيمياءِ (العقلِ) لهزيمةِ الفتواتِ، لكنَّ اكتشافَهُ يؤدي لموتِ جبلاوي (انهيارِ المقدسِ)، فيصيرُ العلمُ أداةً للطغيانِ.
هذهِ الحلقاتُ تُعيدُ إنتاجَ التاريخِ البشريِّ كدراما وجوديةٍ: الثوراتُ تتحوَّلُ إلى أنظمةٍ، والإيمانُ يتحوَّلُ إلى فقهٍ، والعلمُ إلى سلطةٍ. هنا يتساءلُ محفوظُ: هل البشرُ محكومونَ بتكرارِ الخطيئةِ الأولى؟
♧ الفلسفةُ الوجوديةُ: البحثُ عن المعنى في ظلِّ العدمية.
الروايةُ تُقدِّمُ رؤيةً قاتمةً لكنَّها عميقةٌ للوجودِ الإنسانيِّ. فالحارةُ — كرمزٍ للعالمِ — تخلو من النهايةِ السعيدةِ، بل تُغلَقُ بحلقةٍ مفرغةٍ من:
1. التمردِ → القمعِ → اليأسِ.
2. الخلاصِ الفرديِّ → الفشلِ الجماعيِّ.
هذا يُذكِّرُ بفلسفةِ ألبير كامو في أسطورةِ سيزيف: (للمزيد إقرأ تحقيقى لإسطورة سيزيف)
النضالُ ضدَّ العبثِ هو جوهرُ الوجودِ. فحتى عرفة، الذي يمثِّلُ العقلَ العلميَّ، يفشلُ في إنقاذِ الحارةِ، لأنَّ السلطةَ — مثلَ سيزيف — تعيدُ تدحرجَ الصخرِ إلى القمةِ.
لكنَّ محفوظًا لا يتركُ القارئَ في العدميةِ؛ ففي المشهدِ الأخيرِ، يبحثُ صديقُ عرفةَ عن كتابِ الأسرارِ في كومةِ القمامةِ، بينما الناسُ يردِّدون: لابدَّ أنْ ينتهيَ الظلمُ كما ينجلي الليلُ عن النهارِ. هنا الأملُ المُطلقُ يتجاوزُ اليأسَ الواقعيَّ، كأنَّ محفوظًا يقولُ: لو لم يكنْ هناكَ إيمانٌ بمستقبلٍ أفضلَ، لانهارَ العالمُ.
♧ النقدُ الاجتماعيُ والسياسيُ: الحارةُ كميكروكوزم لمصرَ.
الروايةُ ليستْ مجردَ تأملٍ فلسفيٍّ، بل نقدٌ لاذعٌ للواقعِ المصريِّ في خمسينياتِ القرنِ الماضي:
– الفتواتُ هم تحالفُ رجالِ الدينِ مع السلطةِ العسكريةِ، الذينَ يستغلونَ حمايةَ الحارةِ لنهبِها.
– جبلاوي يُشيرُ إلى نظامِ عبد الناصرِ، الذي بدأَ ثورةً ثم تحوَّلَ إلى ديكتاتوريةٍ.
– عرفةُ يرمزُ لخيبةِ أملِ المثقفينَ في العلمِ كمنقذٍ، خاصةً بعدَ هزيمةِ 1967.
في هذا السياقِ، تصبحُ الحارةُ استعارةً للعالمِ الثالثِ، حيثُ تُختَطَفُ الثوراتُ لصالحِ نخبٍ جديدةٍ، ويُعادُ إنتاجُ الاستبدادِ بأسماءٍ مختلفةٍ.
♧ الأسلوبُ الأدبيُّ: بينَ الملحمةِ والواقعيةِ السحريةِ.
استخدمَ محفوظُ في أولاد حارتنا بنيةً ملحميةً مقسَّمةً إلى خمسِ حكاياتٍ متداخلةٍ، كلٌّ منها يُعيدُ كتابةَ سيرةِ نبيٍّ، لكنَّها تبتعدُ عن النصِّ الدينيِّ لصالحِ الرمزيةِ الإنسانيةِ. اللغةُ هنا بسيطةٌ لكنَّها مُحمَّلةٌ بالدلالاتِ، كوصفِ الحارةِ: مكانٌ تُغلقهُ البيوتُ العتيقةُ كأنَّها جدرانٌ سجنٍ.
كما مزجَ بينَ الواقعيةِ التاريخيةِ (تفاصيلِ الحياةِ في حاراتِ القاهرةِ القديمةِ) والرمزيةِ الصوفيةِ (حواراتِ الشخصياتِ مع الأرواحِ)، مما يُذكِّرُ بأسلوبِ ماركيز في مئة عام من العزلة، لكنَّهُ ينبعُ من التراثِ العربيِّ (كألف ليلةٍ وليلةٍ).
♣︎♣︎ الخاتمة: لماذا تبقى أولاد حارتنا نصًّا عصيًّا على الموتِ؟.
بعدَ أكثرَ من ستةِ عقودٍ على نشرِها، لا تزالُ الروايةُ مرآةً لقضايانا المعاصرةِ: صعودُ الأصوليةِ الدينيةِ، تحوُّلُ الثوراتِ إلى ديكتاتورياتٍ، أزمةُ العقلِ في مواجهةِ الخرافةِ. ربما لهذا قالَ محفوظُ — بعدَ محاولةِ اغتيالِه —: أهدي كتبي لمن يختلفونَ معي، لأنَّ الثقافةَ وحدَها تُصلحُ المجتمعَ.
★★★ أولاد حارتنا ليستْ روايةً تُقرأُ، بل تجربةٌ وجوديةٌ تُعيدُ تشكيلَ وعيِ القارئِ بالسؤالِ الأزليِّ: هل يُمكنُ للإنسانِ أنْ يتحررَ من سطوةِ المقدسِ والسلطةِ، أم أنَّ الحارةَ — بكلِّ أبنائِها — محكومةٌ بتكرارِ المأساةِ؟ هنا يتركُ محفوظُ الإجابةَ معلقةً كصرخةٍ في الفراغِ.
والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله
الروائى خالد حســــــين




