الواجهةمجرد رأي

شركاء القرار يبحثون عن براءة انتخابية

بقلم:نعيمة بويغرومني

كلما اقتربت لحظة الانتخابات في هذا الوطن، بدأت الأقنعة السياسية في التحرك من تلقاء نفسها. تتغير النبرات، وتعاد صياغة المواقف، ويُفتح فجأة باب “النقد” على مصراعيه داخل بيوت الأغلبية نفسها، حتى ليبدو المشهد وكأننا أمام معارضة تكتشف الحكومة لا شركاء شاركوا في بنائها.
فمن داخل الأغلبية الحكومية التي يقودها السي اخنوش، ومن بين قيادات حزبية وأعضاء مكاتب سياسية وبرلمانيين، ترتفع اليوم أصوات تنتقد الغلاء، وتدين المضاربات، وتندد بتراجع القدرة الشرائية، وتستعرض اختلالات تدبير الشأن العام. وهي نفس الملفات التي ظلت مطروحة طيلة سنوات الولاية، حين كان هؤلاء أنفسهم جزءا من دوائر القرار والتصويت والتزكية والدفاع السياسي والإعلامي.
المفارقة ليست في النقد، بل في “تحوله إلى هوية طارئة” و”جُبة جرأة أكبر من صاحبها” عند اقتراب موعد الحساب.
فكيف يتحول الشريك في القرار إلى ناقد له دفعة واحدة؟ وكيف يكتشف فجأة أعطاب السياسات التي ساهم في تمريرها أو السكوت عنها أو تبريرها؟ ولماذا لا تُطرح هذه اللغة النقدية بنفس الحدة داخل مؤسسات التنسيق الحزبي ومجالس الأغلبية، بل تُستدعى فقط أمام الكاميرات والمنابر الإعلامية؟ في محاولة بئيسة لتلميع مواقف تشع قبحا….
إننا أمام مشهد سياسي يزداد ارتباكا وإثارة للسخط والسخرية: شركاء في الحكم يتحدثون بلغة المعارضة، ومسؤولون في مواقع القرار يتصرفون وكأنهم خارج المسؤولية، وأطراف ساهمت في صناعة الحصيلة تحاول اليوم إعادة ترتيب المسافة بينها وبين تلك الحصيلة، لا لتصحيحها، بل لتفادي تبعاتها.
ولعل أخطر ما في هذا السلوك أنه لا يمارس كاعتراف سياسي شجاع ومسؤول ، بل كإعادة تموضع انتخابي محسوب، حيث يتحول النقد من أداة للتصحيح إلى وسيلة للهروب من التموقع، ومن آلية للمراجعة إلى جسر نحو “براءة سياسية” متأخرة…. وفي المثل الدارج “اللي كيحسب بزاف كيشيط لو”
لقد تابع المغاربة خلال السنوات الماضية كيف كانت الأغلبية تظهر متراصة حين يتعلق الأمر بالدفاع عن القرارات، وكيف كانت البلاغات المشتركة تُصاغ بلغة الانسجام، وكيف كان الاختلاف يُدار داخل الغرف المغلقة. أما اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات، فقد بدأ كل طرف يعيد رسم صورته على أنه “كان هناك… لكنه لم يكن مسؤولا تماما” هو مسؤول” نص نص “بتعبير الأشقاء المصريين….
وهنا بالضبط تتكشف أزمة الخطاب: لا أحد يريد أن يكون صاحب القرار، لكن الجميع يريد أن يحتفظ بحق التعليق عليه ويا للعجب!
إن المسؤولية السياسية لا تجزأ وفق توقيت مناسب أو غير مناسب، ولا تُستدعى فقط عند لحظات الإنجاز، ثم تنكر عند لحظات الفشل. فالمشاركة في القرار ليست حضورًا بروتوكوليا، بل تحمل كامل لكلفته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
والأدهى أن بعض القيادات تحاول اليوم الجمع بين موقعين متناقضين: موقع الشريك في الحكومة، وموقع الناقد لها في آن واحد؛ أن تكون داخل السلطة وخارجها في الوقت نفسه، أن تساير الحصيلة حين تُقتسم مكاسبها، وتتنصل منها حين تسأل عن نتائجها.
لكن السياسة، في معناها الجاد، لا تعترف بهذه الازدواجية. إما مسؤولية كاملة، أو لا مسؤولية تُذكر. إما دفاع عن الاختيارات حتى النهاية، أو اعتراف شجاع بالمراجعة. أما الوقوف بين الضفتين، فهو مجرد محاولة لاكتساب الوقت قبل مواجهة صندوق الاقتراع.
إن ما يعيشه المشهد اليوم ليس نقاشًا سياسيًا عاديًا، بل حالة إعادة تموضع واسعة داخل الأغلبية نفسها، حيث يتحول الشريك إلى ناقد، والفاعل إلى شاهد، والمسؤول إلى متفرج على حصيلة كان جزءًا من صناعتها.
ومع ذلك، فإن الذاكرة السياسية للمغاربة ليست قصيرة كما يعتقد البعض. فهم يدركون جيدًا من كان في مواقع القرار، ومن دافع عنه، ومن شارك في صياغته، ومن صمت حين كان الصمت قرارًا سياسيًا بحد ذاته.
في النهاية، ليست المشكلة في النقد، بل في توقيته الانتقائي، ولا في المراجعة، بل في محاولة تحويلها إلى صك براءة انتخابية. فالذين يصنعون القرار لا يمكنهم أن يكتشفوا عيوبه فقط عند اقتراب موعد الحكم الشعبي.
لقد آن أوان تسمية الأشياء بمسمياتها: من شارك في الحكم هو مسؤول عن نتائجه، ومن جلس في طاولة القرار لا يمكنه أن يقف خارجها عند إعلان الحصيلة.
أما اليوم، فلم يعد السؤال من ينتقد ومن يدافع، بل من يتحمل المسؤولية كاملة أمام المواطنين. فصندوق الاقتراع ليس محكمة للنوايا، بل ميزان للوقائع والاختيارات والحصيلة.
فالناخب المسؤول لا يحاسب الخطابات الطارئة، بل يتذكر المواقف الثابتة، ولا يمنح ثقته لمن يحاول إعادة كتابة دوره في اللحظة الأخيرة، بل لمن يملك شجاعة الاعتراف بما له وما عليه.
وعندما يحين موعد الحكم الشعبي الواعي والمسؤول ، لن تنفع محاولات التنصل ولا تبديل المواقع؛ لأن التاريخ السياسي يُكتب بالأفعال لا بالشعارات، ولأن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى من حكم، ومن قرر، ومن حاول في النهاية أن يهرب من مسؤوليته تحت عنوان النقد المتأخر.
وبكلمة، الكرة يوم 23شتنبر بحول الله في يد الشعب، فهل سيكون في مستوى اللحظة دفاعا عن حاضره ومستقبله أم سيخلف موعده مع التاريخ لا قدر الله؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى