“شهاب في سورة اليقين”.. رواية تستنطق الذاكرة والرمز في رحلة البحث عن الحقيقة
"شهاب في سورة اليقين".. رواية تستنطق الذاكرة والرمز في رحلة البحث عن الحقيقة

في زمن تتسارع فيه الكتابات الروائية نحو السرد المباشر، يختار الكاتب والباحث المغربي نور الدين حنيف أبوشامة أن يشق مسارًا مختلفًا عبر روايته الجديدة “شهاب في سورة اليقين”، وهي عمل أدبي يحمل في طياته أبعادًا فلسفية ورمزية تتجاوز الحكاية التقليدية، ليجعل من الرواية فضاءً للتأمل في الإنسان والذاكرة والوجود، وتُضاف هذه الرواية إلى المسار الفكري والإبداعي للمؤلف الذي راكم تجربة في الشعر والنقد والبحث الأدبي، إلى جانب نشاطه الجمعوي والفني.
يستوقف القارئ منذ الوهلة الأولى عنوان الرواية، “شهاب في سورة اليقين”، بما يحمله من كثافة دلالية تجمع بين الإيحاء القرآني والرمزية الكونية، فيفتح الباب أمام أسئلة تتعلق باليقين والشك، والنور والظلمة، والحقيقة والوهم، وهي ثنائيات تبدو حاضرة في البناء الفكري للعمل أكثر من حضورها بوصفها مجرد مفردات لغوية.
ويعكس الإهداء الذي خصّ به الكاتب والدته الراحلة، الحاجة زهرة غازي، بعدًا وجدانيًا عميقًا، إذ لا يبدو مجرد تقليد أدبي، بل مدخلًا عاطفيًا يربط النص بجذوره الإنسانية، ويمنح الرواية بعدًا وفاءً للأم بوصفها رمزًا للحياة والذاكرة والهوية.
وفي تقديمه للعمل، يوضح ذ. نور الدين حنيف أن شخصيات الرواية وأمكنتها وأزمنتها، وحتى الحيوان والجماد، تتحول إلى كائنات تتحرك داخل بناء استعاري يمزج بين الواقعي والمتخيل، في محاولة لإعادة تشكيل العالم روائيًا، ويؤكد أن العمل يقوم على مستويين؛ أولهما رسم أحداث ذات ملامح شبه تاريخية وشبه واقعية، وثانيهما بناء ظلال هذه الوقائع وأبعادها الفكرية والرمزية، وهو ما يكشف عن مشروع روائي لا يكتفي بالحكي، بل يسعى إلى إنتاج الدلالة وتأويل الواقع.
كما يعكس الغلاف، الذي أنجزه المؤلف بنفسه، هذا التوجه الفني؛ فصورة الحصان المنطلق وسط دائرة مفتوحة توحي بالحركة والتحرر والسعي الدائم نحو أفق لا تحده الحدود، في انسجام واضح مع فلسفة النص التي تجعل من البحث عن اليقين رحلة مفتوحة لا تنتهي.
ولا يمكن قراءة هذه الرواية بمعزل عن الخلفية الفكرية لصاحبها، فالمؤلف، ابن مدينة الدار البيضاء، يجمع بين البحث الأكاديمي والإبداع الأدبي والفن التشكيلي، وقد أصدر عددًا من المؤلفات الإلكترونية وكتب الشعر والرواية والنقد، وهو ما ينعكس في أسلوبه الذي يميل إلى اللغة المكثفة والصور الرمزية، ويمنح النص بعدًا فكريًا يتجاوز السرد التقليدي.
إن “شهاب في سورة اليقين” ليست مجرد رواية تروي أحداثًا، بل هي دعوة إلى مساءلة الذات والعالم، وإعادة التفكير في مفاهيم الحقيقة واليقين والهوية من خلال نص يزاوج بين الأدب والفلسفة والرمز. وهي بذلك تقدم للقارئ تجربة مختلفة، تستدعي التأمل بقدر ما تستدعي القراءة، وتؤكد أن الرواية ما تزال قادرة على أن تكون فضاءً رحبًا للفكر والجمال معًا.







