الواجهةمجرد رأي

شهادة من الشيخ الهادي بريك في حق الغنوشي

الشيخ الهادي بريك 
📌ما يجعلني متردّدا في الكتابة عن هذا الرّجل عدا أنّ شهادتي فيه مجروحة بلسان أهل القضاء. لا أكاد أحصي المرّات التي أعدمت فيها ما كتبت عنه ممّا أعدّه عند الله شهادة حقّ. ولكنّه في عيون كثيرين غير كذلك. تحرير ما عرفته عنه مقتضاه واجب القيام بالشّهادة. تلك القيمة المهدورة عند أكثر المتديّنين ممّن يؤمنون بما يشتهون. ويدعون ما لا يشتهون. لو طلب منّي تكثيف الكتاب الخالد كلّه في كلمة واحدة لما تردّدت في القول أنّه قيّومية لله بالشّهادة ومثلها قيّومية للنّاس بالقسط. وما عدا ذلك من فروع بالمئات هي أغصان شجرة القيم وثمراتها وظلالها.
لماذا يُشيطن الغنّوشيّ ؟
النّاس مجبولون سليقة على تكثيف القيم التي يريدون تقديسها أو تبخيسها في صور وشخوص. إذ لو ظلّت مجرّدة ظلّ تقديسها أو تبخيسها حربا باردة لا تغري. ولذلك بعث الله أنبياء معصومين يمثّلون القيم التي يأمر بها لحما ودما. وليس تجريدا عقليا. ولذلك حاول أعداء تلك القيم التفصّي منها من خلال إستهجانهم أن يتمثّلها واحد منهم لحما ودما. فطالبوا بملَك. (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون). فحْوى ذلك هو أنّ المنتفعين من سحت الدولة العميقة وشهداء الزّور المتسلّقين جدرانها يعلمون حقّ العلم أنّ الغنّوشيّ بما يمثّله ويدعو إليه لا يؤتمن على تلك المنافع التي يرضعون منذ عقود. عدا أنّ كثيرا من ” دراويش السياسة ” لا يميّزون بين مقامات المفكّر الذي يحرّر الحقيقة مجرّدة والمصلح الذي ينشد المصلحة يستلّها من ألف مفسدة. الغنّوشيّ الذي خاض معركة الهوية مع المشروع البورقيبيّ وهو في أوج قهروته هل ينسى له خصومه من الفريقين (الدّولة وقُرادها من عبيد الفكر الغربيّ) إنتماءه وولاءه؟ هم أنفذ ذاكرة من كثيرين من ” دراويش السياسة “. هؤلاء بنسبة مهمّة منهم بين ثقات عجزة ومبتدئين بستهجنون – لرداءة وعيهم – إنتقال مقام الرّجل من مفكّر ينحت مشروعه وفق قواعد هويته إلى مصلح سياسيّ يكيّف مشروعه وفق الضّرورات والحاجات. وليس وفق الواجبات في حقل مزروع بألغام كاسحة قد لا تظفر فيه بعشر معشار مصلحة في أكوام شاهقة من المفاسد. وهل ينسى له خصومه مشروعه البدعيّ قوامه توفير حال من التّعايش بين الإسلام والعصر سيما في جمله الحارقة (الحرية والديمقراطية والمرأة)؟ خاصم الدّولة إذ أيقظ في النّاس جبلاّت التحرّر و(بورقيبه) يتوّج (رئيسا مدى الحياة في مؤتمر 1975 وكان مقرّرا أن يكون بذلك ملك تونس أزلا وأبدا في مؤتمر 1971 لولا معارضة صهره ” حسيب بن عمّار. والمستيري والسبسيّ وغيرهم “). هل هناك تحدّ أشدّ إيلاما من ذاك؟ هل ينسون له أنّه كان أسبقهم إلى تبنّي الديمقراطية دون تحفّظ في مؤتمر صحفيّ دوليّ بأتمّ معاني الدولية (06.06.1981)? في تلك الأيام مازال الشيوعيون يقصفون الآذان بعقائدهم (دكتاتوريّة البروليتاريا والصّراع الطّبقيّ). مازالوا يعتقدون أنّ (الديمقراطية بذخ بورجوازيّ). كانوا أنبياء الجامعة التونسية ورموز التقدمية والحداثة. فإذا بشابّ نكرة يقضّ عليهم مضاجعهم الآمنة ويهزم أحلامهم ويقدّم الإسلام بديلا عنهم وعن الدّولة التي يلتقون معها ثقافيا. حقدهم الذي يراه هذا الجيل الجديد ليس بدعا. بل هو مفهوم كلّ فهم. ولو كان (الإسلام السياسيّ كما إختار له خصومه إسمه وصدّقه البله) محصورا في تونس لهانت مصيبة لا تهون. ولكنّ المطّلعين يعرفون أنّه إمتداد لمحاولة (أخونة مصر العظمى) قبل عقود. حركة الغنّوشيّ حضاريا ثورة باردة هادئة في وجه نظام دوليّ إستخلص الحكم من الكنيسة الغربية ومن الخصم الإشتراكيّ بتضحيات ودماء. هل يؤذن للغنّوشيّ – حتّى لو تبنّى الديمقراطية – بدكّ كلّ ذلك دكّا؟ الرّجل حصد بحزبه الاغلبية في الأوكار التقليدية لليسار. وفي مواطن صناعة العقول (معاهده وكلّيات) وكان نصيبه في مؤتمر الإتحاد عام 1989 كبيرا. هل ننسى تحليل يسارية مرموقة في السبعينات (سهير بلحسن) قولها أنّ حكم تونس مشروط بمعادلة تضمّ كلاّ من الإتّجاه الإسلاميّ و إتّحاد الشّغل والدّولة؟ لا أعرف تحليلا سياسيا (بل هو حضاريّ) سبق عصره بعقود مثل تحليل هذه السّيدة. بل ظلّ الرّجل يحصد الاغلبية في كلّ إنتخابات شعبية عامّة (من فوز حزب المستيريّ عام 1981 والغنّوشيّ الذي فاز ذلك الحزب بأصوات أتباعه في السجن حتى إنتخابات أكتوبر 2011 والرّجل قادم من المنفى بعد قهر دام عقدين كاملين مرورا بإنتخابات الثاني من أبريل 1989). كيف يُنسى له كلّ ذلك؟ العقلاء يجمعون على أنّ هذا الرّجل خطير من النّوع الأشدّ ثقلا. بعد ثورات الرّبيع العربيّ قرّر النّظام الدّوليّ النّافذ القضاء على خطر يتهدّد مواثيقه بدء من 1945. سيما أنّ حصيلة ذلك الرّبيع شتاء قارس وزمهرير معربد في وجه ذاك النّظام. أي وصول الإسلاميين الذين ظنّ أنّ عقودا طويلة من السّجون والمنافي كفيلة بعودتهم إلى المساجد. وليس إلى قيادة البرلمان والحكومات. عندما نحسن فهم تلك التّضاريس التي صنعتها الحرب العالمية الثانية وهي تحميها بال(ناتو) وغيره يكون حاضرنا مفهوما. لا شيء فيه يدعو إلى الغرابة. ذلك هو منطق الأرض عندما تكون محكومة بالقهر الغربيّ. وكلمة السرّ هي حماية الإحتلال الصهيونيّ. لو كان الغنوشيّ يحمل مشروعا من المشاريع الدينية المختلفة لترك وشأنه. فلو كان صوفيا ما حيل بينه وبين مختلف الكهوف التي يطوفون بها ينشدون خلاصا فرديا موهوما وإخوانهم المسلمون يئنّون تحت القصف السّاخن والبارد. ولو كان متصالحا مع الحداثة بوجهها الغربيّ لكان وزيرا مأذونا له بإعمال مباضعه فيما لا يتوافق مع العصر من تشريعات قاسية. ولو كان سلفيا جهاديا لعولج بما عولجت به (القاعدة) ولو كان سلفيا مدخليا لأكل من فتات موائد الترف. ولكنّه إختار الإصلاح بالإسلام المقاوم وبمنهجه المعتدل. وعدوّه – وأذنابهم – يعلمون أنّ ذلك هو الأدوم والأرسخ. ولو ظلّ الغنوشيّ مفكرا يملأ بطون الكتب فحسب من دون مشروع إصلاحيّ مقاوم لفتحت له دور النّشر أبوابها مادام التّفكير حبيس بطون الكتب ويملأ الرّؤوس جدلا فارغا ويظلّ المقهورون يرفلون في أغلال قهرهم. كيف لا تجتمع شياطين الإنس على مقاومة هذا الرّجل وهم يعلمون حقيقة مشروعه القائم على إحلال العدل على أنقاض جورهم؟ هل تلغى السّنن لأجل الغنوشيّ أو لأجل خصومه؟ أين العجب إذن؟ أليس (كلّ أمر مستقرّ) كما قال سبحانه؟
كلمتان في الختام :
١- وفاء لما أعتقده ممّا يهوّن منه كثيرون وقياما بشهادتي (وهي فريضة صنو لفريضة الصّلاة في الكتاب الخالد) سيما أنّي من القاعدين (وليس من المقاومين) فإنّي ما عرفت عن هذا الرّجل من بعد سنوات طويلات من العشرة الحميمية يسرا وعسرا (في السّجون والمنافي) عدا خلالا كريمة. منها على سبيل الذّكر وليس الحصر (تعبّد دائم قياما وصياما – روح مقاومة نضالية ما لمستها في حياتي في غيره. وهي سليلة نفس قدّت من عزّ عزيز تعدّ الضّيم كفرا كما قال الشافعيّ – شراسة عجيبة في أمرين : عندما يقتنع برأي فهو أسد هصور يحمي عرينه. فلا تلين له قناة ولا يستسلم ولا يرضخ. وعندما تكون تونس في الميزان (ومنها هويتها العربية الإسلامية وقضيتها التحررية) فما رأيت مثله مقاوما دونها والله. وسبق أن كتبت في ذلك إذ أثار قضيتها عام 2008 في المؤتمر التأسيسيّ للإتحاد العالميّ لعلماء المسلمين. ولم تكن المناسبة ذات علاقة البتّة بمثل ذلك. وأغلب الظنّ عندي أنّ ذلك هو ما بوّأه ليحصد أكثر أصوات المشاركين (وعددهم يقترب من ألف) مع ما يعرف عنه من رصيد مقاومة قبل ذلك. أمّا تواضعه فلا أظنّ منصفا يكتمه. خلالٌ كثيرة لا يعرفها عدا من إقترب منه. ومنها – على خلاف ما يهرف كثيرون ممّن يسمعون من خصومه أو من الذين لا يتبيّنون – أنّه زاهد في الدّنيا. و لا شكّ أنّ شهادتي هذه لا تحيط بكلّ شيء لأسباب يعرفها أهلها. مشكلة كثيرين ومن كلّ الفئات والإنتماءات (ومنها الإسلاميّة) أنّهم إكتشفوا الغنوشيّ بعد الثورة (أي سياسيا ينافس على السلطة أو يساهم فيها). ومن غاب عنه الغنوشيّ المقاوم العنيد لن يظفر بالحقّ فيه. ولكم صدقت العرب إذ قالت (ليس من رأى كمن سمع). أنا رأيت وليس سمعت. وكنت قريبا جدّا. وليس صمتي إنحناء تحت القصف الإستئصاليّ الذي يجعل من الرّجل سقط متاع. ولكنّه صمت الواثق في حضرة الخفافيش والسّاقطين.
٢- أدرك حقّ الإدراك أنّ كثيرين من الأصدقاء ومن غيرهم ينتظرون منّي هنا كلمة أخرى. كلمة صحيحة. ولكنّ المحلّ ليس محلّها. عندما أقول أنّ الغنوشيّ الذي عرفته عن قرب ولسنوات طويلات – بل أضحت اليوم عقودا – هو من النّاحية الإنسانيّة له من حظوظ الكمال ما له فإنّ ذلك لا يعني التّوافق معه بالكلية في مقامه القياديّ (إدارة داخلية للحركة وتفعيلا سياسيا للخيارات). عدا أنّ هذا الأمر ليس هنا محلّه لأسباب منها أنّ جانبا مهمّا منه هو داخليّ وخاصّ بأهل ذلك البيت. وأنّ العمل الصّالح – كما يقول العلماء – عندما يكون في غير محلّه الأنسب يفقد مشروعية صلاحه. وقد ينقلب عملا سيئا. تفاصيل كثيرة من هذا يعلمها بعض الأصدقاء. وتفاصيل أخرى من رصيد الرّجل كلّما ظننت أنّ الوقت حان لتحريرها أكتشف أنّ ظنّي خاطئ. ولكنّ الشريعة تعلّم صاحبها أنّ الماء إذا بلغ قلّتين لا يطاله النّجس. الغنوشيّ له سيئاته بالمعيار الدنيويّ (أمّا الأخرويّ فلا يكشف عنه عدا يوم تبلى السّراير) وله توفيقاته وإخفاقاته. ككلّ مصلح يعالج واقعا مركّبا بعقل مركّب مستهدٍ بشريعة مركّبة (لمن يفقه طبيعة التّركيب. وقليل ما هم). وإنّي على ما يشبه اليقين (وهو في الآن نفسه أمل يداعب فؤادا إستبدّت به سنون عجفاوات طويلات) أنّ هذه الأمّة الحبلى ستلد يوما من المقاومين في الحقل الفنّيّ من يعرض سيرة رجلين كبيرين في تاريخ مقاومة القهر في تونس (الغنوشيّ ومورو) في لوحات فنية باهرة. كذلك يعلّمنا التّاريخ أنّ أثر الرّجال لا يزول. ولكنّه عادة ما يكون هونا في عيون المعاصرين. ثمّ يكون سيرة عطرة يتعلّم منها اللاّحقون. عادة ما لا ننصف أهل زماننا حسدا وجهلا وغفلة. ولكن يقيّض الله لآثارهم من يحيي ما إندرس منها.
هذا رجل أجرى الله على يديه أفضالا يعرفها أهلها. ولقد تعلّمت من باديتي التي إحتضنت طفولتي وردحا من شبابي أنّ القافلة التي تطرق النّاس وهم قائلون أو بائتون تحاصرها الكلاب النبّاحة. ولا تعلم الكلاب النبّاحة أنّ تلك القوافل محمّلة بأغذية يعيش عليها أولئك النّاس انفسهم. شكرا للكلاب النبّاحة. عدا أنّ نباحها لم يوقظ ربّما أعيان النّاس. ويوم يستيقظ أولئك تخرس تلك الكلاب. ويستقبل روّاد القافلة برفد مرفود ووسد موسود.
شهادة من حكم عليها بالجرح فله ذلك. ولكنّي أشهد الله أنّي ما إبتغيت بها ما يبتغي به بعض ممّن سارع إلى الغنوشيّ ينشد حظوة في الدّولة يوم كان في دواليب الدّولة. إنّما أبتغي تذكير العقلاء أنّ الشهامة اليوم سوقها النّافق. أمّا في أيّام اليسر فما منّا إلاّ وهو صديق صدوق.

صبرا آل الغنوشيّ ..
صبرا آل كلّ مقاوم من كلّ دين وملّة ..
يكفيكم نصرا أنّ القيم التي لأجلها أنتم في السجون والمنافي تملأ صدورا هي بها حبلى. ويوم يأذن الله بإنشقاقها لوضع حملها تنسى العذابات وتمتلأ الوهاد حبورا والنّجاد سرورا ..
وعسى أن يكون قريبا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى