صابرين … الرحلة السيزيفية نحو الخلاص

بقلم: رشيد بلفقيه
تعد رواية “صابرين” للروائية المغربية “نعمى شاكر”، تجربة غوص عميق نحو الكامن من النفس البشرية، ونحو تفاصيلها الدقيقة والهشة. لكن، القادرة على اجتراح المستحيلات.
كما تعد اشتغالا نفسيا يُشرّح دواخل شخوص الرواية، ويدرس تفاعلها مع محيطها عبر أزمنة وأمكنة متعددين، وعرضا -في الآن نفسه- لقدراتها على التأقلم والتغير والصمود، خصوصا شخصيتها الرئيسية “صابرين” التي ستواجه صدمات كثيرة مرة من محيطها، ومرات من تحطم آمالها الكبيرة المغرقة في المثالية، الأمر الذي سيجعلها تكتشف في نفسها ما لم تكن تدركه لولا ما أجبرت على خوضه من تجارب.
تبدو الرواية أقرب إلى السيرة الشخصية، نظرا لتتبعها مسار شخصية واحدة، ونظرا لتوظيفها مجموعة من المؤشرات النصية المبررة لهذا الحكم، من قبيل الأمكنة الواقعية والعلاقات الإنسانية شبه الواقعية والضمائر وخصوصا ضمير الأنا … إلخ، لكنها مع ذلك تتجسد سيرة لا تخلو من بعد تخييلي طافح يجعلها منتجا فنيا خالصا لا تتحقق متعة تلقيه الكاملة إلا بالتحليق في عوالمه التخييلية أكثر.
يتأسس تلقينا الفاعل للرواية على افتراض بعد جمالي طافح لعناصر بنائها، بما يحقق لتشكيلها العام بناء فنيا دالا، فتتقاطع أساليب تشييدها مع معرفة فلسفية وجمالية عميقة تتجلى في توظيف عناصر بنائها الحكائي التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها في مقال مقتضب، لذلك نقتصر على جمالية توظيف الأماكن والفضاءات فيها.
يجعلنا هذا الافتراض نستحضر تقسيمات غاستون باشلار للأماكن، في كتابه جماليات المكان، الذي اعتبر فيه أن القبو يمثل العالم المظلم للغرائز، واللاوعي، والأصل البدائي للذات الإنسانية فهو يعكس الجانب الغامض والمخفي من البيت، مثلما يعكس اللاوعي الجانب الخفي من النفس البشرية، وفقا لهذا التقسيم يحضر ذكر القبو منذ مدخل الرواية مقترنا بالرهبة والغموض، حيث يتم تحذير القارئ من الاستسلام لغواية استكشافه، وضرورة الانتباه لتلك الرغبة الخطيرة، فسواء تحقق دخوله أم لم يتحقق، يجب على القارئ الحذر من شهوة استكشاف الأقبية على كل حال.
يرد ذكر القبو في المقطع التمهيدي مقترنا بأسلوب التحذير لتحقيق مقصديات من أبرزها إثارة فضول القارئ، واستفزاز مداخل التلقي والتأويل لديه، وجعله يصوغ الأسئلة التي تمكنه من مواصلة استكشاف النص، واكتشاف الأسباب التي قد تحرض فردا ما على التفكير في النبش في قبوه الخاص بصرف النظر عن ماهيته، أسئلة من قبيل ما طبيعة هذا القبو؟ أ يقف معناه عند تشكله المادي بوصفه جزءا من بعض البيوت؟ أم يتجاوزه إلى معنى مجازي يجعله يشمل الجزء المضمر من كل شيء بما في ذلك المخبوء من النفس البشرية؟ ثم، حسب المقطع التمهيدي وبعض المقاطع التي تليه، أ يعد دخوله انتحارا أم بحثا عن الانبعاث وترميم الذات؟ وهل ستلجه البطلة باختيارها؟
تجيب الساردة عن بعض هذه الأسئلة قائلة: “الحياة ستفاجئها (صابرين) وتقابلها بمن يكون سببا كي تدخل قبوها، ذلك المكان المظلم الذي لا حياة فيه، كيف تسكنه وهي المُحبّة للحياة العاشقة لكل ألوانها” (ص 9).
يتردد ذكر القبو في محطات متعددة من الرواية، ويغدو ذكره مرتبطا بالنكسات والسقطات التي تتعرض لها الشخصية، منذ أن يتم استحضاره في مطلع الفصل الأول عندما تقف الساردة متأملة متسائلة عن أهميته وأهمية خوض تجربة اقتحامه بحثا عن التطهير قائلة: “ماذا لولا القبو؟” (ص 11)، ذلك السؤال الذي يؤسس صداه جوابا يبرر فعل السرد وأحداثه في الرواية كلها، بوصفه المؤوّل الأول والأخير للكثير منها.
مع تنامي الأحداث يتراجع ذكر القبو، وتظهر أماكن أخرى على التوالي، من قبيل الحديقة الصغيرة، البهو، والصالة، والعديد من الأماكن الخارجية الأخرى، لكن يظل أثره كامنا في الأحداث، ينمو ويتكاثف وكأن كل شيء يقود إليه وإلى تجربة استكشافه، ليعود للبروز في نهاية الرواية حين تلجأ إليه بطلة الرواية عندما تتكاثر عليها الضغوطات، تقول: ” تذكرت القبو، نعم هو أنسب مكان، ذهبت إليه مسرعة كأنني أهرب من شيء خلفي، فتحت باب القبو ثم دخلت اتخذت لي ركن … وبدأت أرسم” (ص 126)، لتصير وظيفته أكثر التباسا وأكثر إثارة للأسئلة، أ هو بهذا التدبير قبر للموت أم محراب للانبعاث؟ أهو حفرة تدفن فيه الحياة أم ملجأ يعيد ترميم العنقاء لتولد من رمادها؟
رغم ما ستعيشه بطلة الرواية داخله من أحداث عجائبية، إلا أنها ستخرج منه أقوى لتعود إلى الحياة برؤى جديدة، ولنتذكر-بعد عودتها- أن الساردة أخبرتنا منذ البداية بأن واقعنا قدر باختيار، فلنجعل من ضعفنا قوة لا استسلاما (ص 7). وبهذا يتكثف معنى القبو في الرواية ليتشكل بوصفه المدخل نحو أعماق النفس المتألمة، والمكان الذي تتخذه الشخصية وِجاءً تحتمي به من الأخطار الخارجية التي عصفت بها وغيرت مسارات حياتها.
لكي يتحقق التوازن في توظيف الأمكنة يُقابَل النزول إلى القبو المعتم، بالصعود إلى العلية (أي السطح) المضاءة بقوة، رغم اقتضاب لحيظات هذا الصعود، لكنها تظهر ممثلة التسامي، والتأمل الإيجابي والنقاء، تقول الساردة مركزة هذه المعاني: “كل يومياتي مملة باستثناء الفترة الصباحية التي أستقبل فيها أصدقائي على سطح المنزل، ينزلون بأجنحتهم الملائكية وفي أعينهم فرحة وحب صادق. أتلقاهم ببعض البذور التي انثرها على الأرض كي يسهل عليهم أكلها، إنهم الحمام ذلك السلام الروحي الذي ينعشني كل صباح، أكلمهم، أرحب بهم وأعاتبهم إن تأخروا في الحضور، هم يعرفونني ويفهمون كلامي، ويسعدون بلقائي كما أبتهج لرؤيتهم، يمثلون تلك الحرية التي أفتقدها” (ص 74).
تعيش “صابرين” بين القبو والسطح تجربتها الفردية والمرّة للانعتاق من ماض يأسرها وطموح جامح يكاد يعصف بها، لكنها تجد في ذكرياتها الجميلة، وفي إيمانها الكبير بنفسها وبمبادئها ما يجعلها تحقق الخروج الى بر الأمان، لتختتم الرواية بإغلاق ذلك القبو إغلاقا نهائيا، في دلالة على إنهاء آخر فصل من مرحلة مؤلمة من مسار حياة متصل يقول صوت الساردة في ختامه : “ذهبت باتجاه باب القبو، أخذت اللوح الخشبي، ووضعته على باب القبو ثم طرقته بمسامير من كل جانب، وأمسكت بالمطرقة وأنا أقول بسخرية ممزوجة بالأسى كماذا لولا القبو؟” ص153.
يغلق القبو للمرة الأخيرة، لكن السؤال يظل مفتوحا، هل كان القبو ملاذا أم قبرا؟ هل كان ممهدا للنهاية أم محفزا على الانبعاث؟ إذ ماذا كان سيحدث للبطلة لولا تجربة استكشاف ذلك القبو.





