
الدكتور مصطفى بوهندي
=======
العنوان: الظهير البربري: إعادة التنفيذ في المغرب الأقصى بعد قرن من المحاولة (دراسة تفكيكية في أدبيات مجلة Revue Tifinagh وتصنيع النيو-تفناغ).
======
المقدمة
التأطير التاريخي مقارنة بظهير 1930 والتجربة الاستعمارية الشاملة.
لم تكن خطورة “الظهير البربري” الذي سعت الإدارة الاستعمارية الفرنسية لتمريره في المغرب الأقصى عام 1930 مقتصرةً على شقه القانوني والقضائي، بل كانت في جوهرها محاولةً هندسية مبكرة لفصل مكونات المجتمع المغربي عن محيطه الإسلامي وحمولته الفقهية واللسانية الجامعة. ولئن أفشل الوعي الشعبي والنضال الوطني تلك المحاولة المباشرة في حينها، فإن المتأمل في الصيرورة التاريخية يدرك أن المشروع لم يُلغَ، بل أُعيدت صياغته وتحديث أدواته ليُنفَّذ بعد زهاء قرنٍ من المحاولة، ولكن عبر “بوابة أكاديمية ولسانية” أشد مَكراً.
إن هذا المسار يتنزل ضمن نموذج استعماري عابر للقارات؛ شَبيهٍ بما شهدته تجارب تاريخية قريبة وبعيدة—كما في أمريكا اللاتينية والأندلس—حيث اعتُمدت سياسة محو التدوين الهجين والتراث الأعجمي الأصيل (Aljamiado)، وإعادة كتابة التاريخ بأثر رجعي، لصناعة قطيعة هوياتية وتشكيل “أقليات وظيفية” تُعزل عن عمقها الحضاري والروحي لتكون أدوات لتفكيك النسيج الاجتماعي للدول الوطنية.
وتُشكل أدبيات مجلة (Revue Tifinagh) -في أعدادها الأولى (1993–1994) – المختبر المعرفي والأيديولوجي الذي هندس هذه العودة الحديثة للظهير؛ حيث جرى استبدال القوانين الاستعمارية القديمة بـ “ماكينة هندسية للحرف واللسان”، استهدفت السطو على خط الطوارق اللوبي، وفصله عن أصوله اللوبية والسبئية والجعزية والبونيقية، وإزاحة الحرف الأعجمي العربي الذي حفظ الفقه والأدب الأمازيغي لقرون، ثم صبِّ الناتج في القالب الطباعي اللاتيني لإنتاج ما يُسمى بـ “النيو-تفناغ”.
يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الميكانيزمات الوثائقية والفيلولوجية في العدد الأول من المجلة، لكشف كيف تحولت “هندسة الحرف” إلى أداة لتنفيذ الظهير البربري الجديد، وتقويض الاستقرار المجتمعي واللغوي في المغرب الأقصى والمحيط المغاربي.
المحور الأول: الهندسة الجغرافية والإثنية إعادة رسم المجال المغاربي (ص 2)
تفتتح مجلة (Revue Tifinagh) عددها الأول بـ خريطة توضيحية (ص 2) تتجاوز في وظيفتها الكارتوغرافية الظاهرة لتتحول إلى أداة سيميائية لإعادة تأطير المجال.
إن القراءة التفكيكية لهذه الخريطة تكشف عن الميكانيزمات الإستراتيجية التالية:
1. إزاحة الحدود الوطنية وبناء “المجال البديل” المحاكاة الاستعمارية: تُسقط الخريطة الحدود السياسية المتعارف عليها بين دول المغرب العربي، وتستبدلها بتحديدات إثنية ومناطق انتشار لسانية مفصولة بعضها عن بعض.
الغاية: إضعاف مفهوم “الدولة الوطنية الجامعة” في ذهن القارئ، وإحلال جغرافيا إثنية متخيلة بدلاً منها (وهي الإرهاصات الأولى لمفهوم Tamazgha)، بما يعيد إلى الأذهان الخرائط الاستعمارية الفرنسية التي كانت تقسم المنطقة إلى “بلاد المخزن” و”بلاد السيبة”، أو مناطق “عربية” وأخرى “بربرية”.
2. التقطيع الديموغرافي وعزل الحواضر التعتيم المؤسسي: تُظهر الخريطة المناطق القروية والجبلية والصحراوية بوصفها “المجالات الأمازيغية النقية”، بينما تتعمد تعمية الحواضر والمدن الكبرى (التي امتزج فيها السكان باللسان العربي والتراث الأعجمي لقرون) وتصويرها كأنها أطراف غريبة عن هذا المجال.
التوظيف السياسي: يهدف هذا التقطيع إلى صناعة “أغلبية جغرافية متخيلة” في مقابل “أقلية حصرية”، وهو التمهيد المفهومي الذي بُنيت عليه لاحقاً دعوات التفتيت الاجتماعي وصناعة الاستقطاب داخل المجتمع الواحد.
الصياغة الوثائقية المخصصة للمحور الأول في المسودة: « تُشكل الخريطة المدرجة في الصفحة الثانية من العدد الأول لـ (Revue Tifinagh) المدخل البصري والسيميائي للمشروع برُمته؛ إذ لم تكن مجرد رسم توضيحي للتوزع اللغوي، بل كانت إعادة هندسة كارتوغرافية للمجال المغاربي.
لقد تعمدت الخريطة محو الحدود السياسية للدولة الوطنية، وإزاحة التداخل المجتمعي والتاريخي بين العرب والأمازيغ في الحواضر والسهول، لصالح تقطيع إثني مغلق. إنها محاكاة صريحة للخرائط الاستعمارية التي صيغت إبان مرحلة الظهير البربري (1930)، والتي هدفت إلى تقسيم الجغرافيا الوطنية وتوفير المبرر الكارتوغرافي لتفكيك الوحدة الترابية والمجتمعية للمغرب الأقصى.”.
المحور الثاني: معمل “النيو-تفناغ” والسطو الفيلولوجي (تفكيك مقالي شفيق ص 5 وأمازيغ ص 7).
«يكشف التحليل الفيلولوجي المقارن لمقالي محمد شفيق (ص 5) و’أمازيغ’ (ص 7) عن الهندسة المعملية التي صِيغ بها ‘النيو-تفناغ’؛ حيث توزعت الأدوار بين التفكيك الإجرائي والتغطية التاريخية المزيفة.
لقد تولى مقال شفيق عملية ‘لاتنة التفناغ’ عبر فرض اتجاه الكتابة من اليسار إلى اليمين، وعزل الحروف، وحقن اللسان بصوائت غربية صريحة تجعله مطابقاً للبنية الصوتية الفرنسية. وفي المقابل، جاء مقال ‘أمازيغ’ ليمنح هذه العملية المعملية شرعية تاريخية ادعائية، عبر تحويل النقوش الجنائزية الليبية القديمة إلى أبجدية متكاملة، وفصلها القسري عن أصولها اللوبية والسبئية والبونيقية المسماة السامية.
إن هذه الهندسة لم تكن استعادة لخط تاريخي، بل كانت عملية ‘سطو وتدوير’ أُخذ فيها الرمز الشكلي للطوارق، وجُرّد من بيئته، وأُدخل في الماكينة الطباعية اللاتينية لإنتاج حرف مصنوع يقطع صلة الأمازيغ العرب بتراثهم المخطوط.»
المحور الثالث: شيطنة التدوين الأعجمي العربي وإزاحة المخطوط الحضاري (تفكيك مقال المنصر ص 27).
«يُمثل مقال عبد الله المنصر (ص 27) ذروة الاستهداف الأيديولوجي للهوية الحضارية للمغرب الأقصى؛ حيث سعى إلى شيطنة التدوين بالحرف العربي الأعجمي ورميه بـ ‘العجز التقني’، في تكرارٍ جليّ للمقولات الاستشراقية الاستعمارية.
لقد تعمد المقال إزاحة وتجهيل القرون المتطاولة من التراث المخطوط الذي دوّن به علماء الأمازيغ فقههم ونوازلهم وأدبهم بالحرف العربي الأعجمي، حارماً الأجيال من الاطلاع على مدونات أجدادها. إن الهدف من هذه الإزاحة الممنهجة لم يكن لسانيًا مجرداً، بل كان بناء ‘جدار بصري ومعرفي’ يُعزَل به الأمازيغ العرب عن القرآن الكريم وعن عمقهم الإسلامي، لتمهيد الطريق أمام إحلال النيو-تفناغ المصنوع ليكون بديلاً فرانكوفوني الهوى والمسار.»
المحور الرابع: المآلات الجيو-سياسية والاجتماعية (من هندسة اللسان إلى صناعة الانفصال).
«إن التحليل الكلي لمخرجات العدد الأول من مجلة (Revue Tifinagh) يكشف أن استبدال الحرف الأعجمي العربي بـ ‘النيو-تفناغ’ المصنوع لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل كان التمهيد المعرفي لتنفيذ ‘الظهير البربري الجديد’ في أبعاده الجيو-سياسية.
لقد أدى تفريغ اللسان المحلي من حمولته الإسلامية إلى صناعة ‘أقلية أيديولوجية وظيفية’ معزولة عن دينها وتاريخها وجوارها الأخوي الجامع. وتجلت خطورة هذه الهندسة في تحولها السريع إلى أدبيات انفصالية وتفكيكية تسعى لتقويض الدولة الوطنية، والارتهان للدوائر الفرانكوفونية والصهيونية العالمية، لتظل المنطقة في حالة فتن وانقسامات هوياتية تخدم أجندات التفتيت الاستعماري العابر للقارات.»
الخاتمة:
خلاصة التركيب التأصيلي وواجب الحفظ الحضاري.
تكشف القراءة التفكيكية لمحتويات العدد الأول من مجلة (Revue Tifinagh) أن ما شهدناه خلال العقود الأخيرة لم يكن بعثاً ثقافياً عفوياً للسان الأمازيغي، بل كان إعادة تشغيل مكيانيكية لـ “الظهير البربري” الذي صيغ إبان الفترة الاستعمارية عام 1930، ولكن بأدوات أكاديمية ولسانية أشد دهاءً.
لقد اعتمد هذا المشروع على سطو مركّب؛ حيث انتُزع الخط اللوبي الطوارقي من سياقه الصحراوي، وقُطعت صلاته التاريخية بعمقه السامي والبونيقي، ثم أُدخل في الماكينة الطباعية اللاتينية لفرضه قسراً تحت مسمى “النيو-تفناغ”. وترافق هذا التحوير الشكلي مع استهداف ممنهج للحرف العربي الأعجمي الذي احتضن الفقه والعلوم والأدب الأمازيغي لقرون، بغرض إقامة جدار بصري ومعرفي يقطع الأجيال الأمازيغية عن تراث أجدادها وعن نص القرآن الكريم وحضارته الجامعة.
إن هذا المسار، الذي يتطابق في جوهره مع التجارب الاستعمارية في أمريكا اللاتينية وغيرها من تفتيت الكيانات وصناعة “الأقليات الوظيفية”، لا يهدف إلا إلى تجريد المجتمع المغاربي من مقومات انسجامه التاريخي، وتحويل تنوعه اللساني إلى بؤرة فتن واستقطاب وانفصال تخدم أجندات الهيمنة الخارجية.
وتظل استعادة التدوين الأعجمي العربي، والاعتبار باللسان الأمازيغي العربي الأصيل في حضنه الإسلامي، هي السبيل المعرفي والتاريخي الكفيل بإحباط أدبيات التفتيت، وحفظ الوحدة المجتمعية والأمن القومي للمغرب الأقصى وللمنطقة برمتها.
بالوثيقة والدليل المادي من العدد الأول لمجلة (Revue Tifinagh) [1993–1994]:
تأملوا جيداً في هذه الوثيقة البصرية التي اختصرت الأبعاد الأيديولوجية لـ “الظهير البربري الجديد”:
إلى اليمين: غلاف العدد الأول الذي أعاد تدوير الخط الصحراوي العفوي ليصنع منه “رمزية هوياتية راديكالية” وفرض النيو-تفناغ المصنوع.
وإلى اليسار (ص 2): بذور التفتيت والانفصال في أبشع صورها! خريطة تعمدت محو الحدود السياسية للدولة الوطنية المغربية ولجوارها المغاربي بالكامل، واستبدلت التلاحم الحضاري بـ “تقسيم إثني ومناطقي مغلق” مكتوب بالحرف اللاتيني (TACHELHIYT, TAMAIGHT, TARIFIT, TAKBAYLIT…)، مع مدّ الجغرافيا المتخيلة نحو الأندلس وجزر الخالدات.
إنها ليست مجرد “خريطة لسانية”، بل هي إعادة إنتاج صريحة لخرائط الضباط والأنثروبولوجيين الفرنسيين إبان فترة الاستعمار، لتفكيك الوحدة الترابية والمجتمعية للمغرب الأقصى، وقطع الأجيال عن لسانها العربي وتراثها الأعجمي الأصيل.





