مجرد رأي

صحافة الوجوه المتعددة… أين الحقيقة؟…وجوه متعددة… وأقنعة مكشوفة

هل الصورة هي التي تصنع المعنى، أم أن النص يظل الأصل والمرجع؟
سؤال قديم متجدد، عاد بقوة منذ أن اقتحمت الصورة الإعلامية حياتنا، وفرضت سطوتها على الوعي العام، حتى كادت تُزيح الكلمة من مكانها الطبيعي. فبين من يمنح النص أولوية باعتباره أساس المعرفة والثقافة، ومن يراهن على الصورة باعتبارها لغة العصر، يستمر الجدل مفتوحًا دون حسم.

وأنا أتابع المشهد الإعلامي المحلي بمدينة الجديدة، تزدحم أمامي وجوه كثيرة، قادمة من عوالم متباينة، اختلط فيها المهني بالهاوي، والصحفي بالمصور، والمصور الصحفي بمصور المناسبات، ومصور “الفايسبوك” بمن لا انتماء له أصلًا. اختلط الحابل بالنابل، وسقطت المعايير، في مشهد يُربك المتلقي قبل أن يُربك الممارسة نفسها.

والمؤسف أن هذا كله يتم في سياق قارئٍ أُنهك، وسُلبت منه عادة إبداء الرأي، فصار يتلقى كل ما يُقدَّم له دون مساءلة، لا عن المصدر ولا عن القيمة. لذلك، لا أستغرب هذا الانفلات، ولا أحسد فاعليه، لأن المتتبع وحده كفيل بأن يشهد على ما آلت إليه الصحافة محليًا.

ولست ممن يدّعون امتلاك الحقيقة أو يمارسون النقد من برج عالٍ، بل أؤمن أن كل تجربة صادقة تُعلّم، وكل ممارسة جادة تُثري. ومع ذلك، يظل للقلم رهبة في نفسي، لا خوفًا ولا عجزًا، بل احترامًا لمهنة المتاعب، ولذكاء المتلقي، ولقدسية الكلمة حين تُكتب بوعي ومسؤولية.

فالصحافة ليست مجرد صورة عابرة أو حضور شكلي في المحافل. الصحفي، حين يكون صحفيًا حقًا، يُقلق السياسي الفاسد، ويُربك صاحب النفوذ غير المشروع، ويكشف زيف الخطاب، ويُحرج كل من اعتاد الجلوس على كراسٍ لا تحميها الشرعية ولا الضمير.

ومن هنا، تثير الاستفزاز تلك الوجوه التي تتقافز في كل مكان، بكاميراتها أمام المحاكم والإدارات، وفي كل تنقل رسمي، تمارس أدوارًا ليست من صميم رسالتها، وتلهث وراء الامتيازات الصغيرة، وتلبس أقنعة متعددة، ظنًا منها أن اللعبة تنطلي على الجميع. غير أن الحقيقة، في النهاية، لا تقبل التزييف: لا يصح إلا الصحيح.

ورغم ثورة التكنولوجيا، وما وفرته من أدوات سريعة وآنية، فإن طقوس الكتابة التقليدية لم تفقد دفئها عند من ارتبطوا بالقلم والورقة ارتباطًا وجدانيًا عميقًا. فبين الصحفي والورقة علاقة لا تعوضها شاشة، ولا تختزلها صورة. الكتابة فعل إحساس قبل أن تكون نقل خبر، وهي حالة فوضوية جميلة، تباغت صاحبها دون موعد، وتُسكب على الورق كما تُسكب الروح.

الصورة مهمة، نعم، لكنها مكملة لا بديلة. صورة واحدة واعية قد تعزز مقالًا متماسكًا، أما الإغراق العشوائي في الصور فلا يصنع صحافة، بل يفرغها من معناها. سيظل القلم سلاحًا أبديًا، بينما تبقى الأجهزة أدوات مساعدة، ترصد الشكل ولا تصنع الجوهر.

وفي النهاية، نحن جميعًا—صحفيين، كتّابًا، مراسلين، وحتى فاعلين رقميين—أشبه بأقلام تلوين مختلفة. قد يختلف لون قلمي عن لون قلمك، وقد لا يعجبك خطي ولا يعجبني خطك، لكن اللوحة لا تكتمل إلا بتعدد ألوانها. فلنحمِ الكلمة، ولنصن القلم، ولنجعل الصورة في مكانها الطبيعي، لأن الصحافة ليست مجرد نشر حدث، بل مسؤولية أخلاقية ورسالة لا تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى