صدى الأزمات

بقلم أبو أيوب

    العلاقات التي استمات المغرب في نسجها مع بعض الدول الصديقة والحليفة أصبحت قاب قوسين أو ادنى من الموت السريري، فكل المؤشرات تدفع نحو هذا المنحى رغم التكتم الرسمي الشديد ومحاولات عدم لفت الإنتباه، وفي بعض الأحيان يصار إلى التشكيك في المعلومة أو نفيها وتجنب التعليق عليها لحصر التداعيات أو الإنزلاقات لما هو أفظع وأشد وقعا … 

  • حليفتنا جمهورية ساحل العاج :

    لا تشد عن القاعدة رغم مثانة العلاقات الثنائية بين البلدين المحسوبين على النفوذ الفرنكوفوني في القارة السمراء، الحليف الموثوق لفرنسا والمغرب حيث فاجأت الأخير بدعوتها من على منبر مجلس الأمن الدولي قبل إصداره تقريره الأخير حول الصحراء، دعوتها إلى تنظيم استفتاء بالصحراء تحت إشراف الأمم المتحدة ينافي كليا مواقفها السابقة المساندة لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كحل لمشكل عمر طويلا .

    انقلاب الموقف هذا يعزوه البعض إلى الجانب الإقتصادي على ضوء الإكتشافات النفطية الأخيرة بالكوت ديفوار، حيث رشحت شركة مناجم المغربية التابعة للهولدينغ الملكي “المدى” للإستثمار في البترول الإيفواري، إلا أن رئيس البلاد كان له رأي مخالف بأن دفع في اتجاه بناء تحالف جديد مع جنوب إفريقيا من بوابة الإستثمار في بترول بلاده خلال معرض “أويل ويك”، موقف قد يعد قلبا للطاولة في وجه الصديق القديم المملكة المغربية .

  • جمهورية تركيا :

    فقد عاشت العلاقات الثنائية المغربية التركية عصرها الذهبي ما بعد الحراك المغربي وميلاد الدستور الجديد ووصول الإسلام السياسي إلى دفة الحكومة … الزيارة الشخصية للعاهل المغربي لتركيا من أجل قضاء عطلته توجت بعقد عدة لقاءات غير رسمية مع مختلف الفاعلين السياسيين والإقتصاديين الأتراك، تمخض عنها توقيع عدة اتفاقيات تجارية بين البلدين بلغت أوجها من خلال اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين في ميدان “البناء/ النسيج/ الحديد / المنتجات الغدائية ….” .

    اليوم بات المغرب يشكو من إغراق السوق الوطنية بالسلع التركية وتفاقم الميزان التجاري بين الجانبين لصالح تركيا وعلى حساب الشركات المغربية، وبسببه ارتفعت نسبة العجز التي أصبحت تهدد أرباب المصانع المغربية بالإفلاس نتيجة عدم القدرة على مجاراة التطور النوعي والكمي للصادرات التركية إلى المغرب، وهي صادرات معروفة بجودتها وأسعارها المعقولة حيث غزت السوق المغربية من خلال متاجر “بيم” التي انتشرت في كل المدن المغربية، إغراق دق ناقوس الخطر ودفع بالمغرب إلى المطالبة بتعديلات جوهرية في اتفاقية التبادل الحر بين الجانبين والتي اعتبرها وزير التجارة الخارجية المغربي مجحفة وغير متوازنة .

  • الجمهورية الإسلامية الموريتانية :

    بعيدا عن التكتلات والتحالفات نسجت موريتانيا علاقات متوازنة مع جاريها الشماليين المغرب والجزائر، لكنها في مراحل عدة عرفت بعض الفتور مع الجانب المغربي لا سيما على خلفية معضلة الصحراء، حيث شهدت هذه العلاقات تميزها وفترتها الذهبية إبان حكم الرئيس المختار ولد دادة … إصطفافها إلى جانب المغرب توج بالتوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية أواسط السبعينيات حيث بموجبها تم تقسيم الصحراء بين الجانبين، لكن الحرب الضروس التي شنت عليها خلصت في الأخير إلى انقلاب عسكري تبعه خروج موريتانيا من الإتفاقية الثلاثية واعتراف رسمي بالخصم وتنازل عن وادي الذهب …

    اليوم رئيس الجمهورية يستقبل رسميا بالقصر الرئاسي بالعاصمة نواكشوط المدعو ولد السالك “وزير خارجية المنازع حاملا رسالة من رئيس الخصوم”، وقد تطرق الجانبان إلى العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها لا سيما في المناطق الحدودية، فهل هي رسالة مبطنة للمغرب على ضوء ما يعرفه بين الفينة والأخرى معبر الكركرات من إغلاق متواتر ؟ .

    كما تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الجديد للشقيقة الجنوبية كان قد وجه دعوة رسمية لرئيس “دولة الخصم” للمشاركة في احتفاليات تأدية اليمين الدستورية بعد الإنتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها الجنرال ولد الغزواني … وتأتي هذه التطورات بعيد مهرجان المدن العتيقة بمدينة شنقيط التي حضرها المغرب ممثلا في شخص الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية ووزير الرياضة والشباب …

    إستقبال رسمي له مدلول أوحد ولا يقبل التأويل فحواه أن موريتانيا حسمت أمرها منذ أمد بعيد ولا مكان للتراجع، إعترافها “بدولة الخصم” يرسم حدودها الشمالية بصفة نهائية مع الغير مرئي كما قال السيد بوريطة أثناء انعقاد قمة أبيدجان بين الإتحادين الأفروأوروبي .

    الملفت في الأمر أن هذه التطورات لحليفين موثوقين لفرنسا “ساحل العاج/ موريتانيا” والموجهة ضد المصالح المغربية الحليف التقليدي الآخر لفرنسا، تأتي في عز أزمة صامتة وبرودة علاقات لم تشهدها التقاليد والأعراف الفرنسية المغربية منذ عهد الجنرال دوكول “قضية بن بركة مثال” أو الرئيس ميتران وموقفه المعلن والمساند للخصم “خرجات زوجته وتصريحاتها المزعجة …” .

    فهل هو تحول في النظرة الفرنسية تجاه حليفها المغرب ؟ وهل له علاقة بالإحباط الماكروني من المقاربة المغربية التي تم نهجها إبان حراك الريف ؟ وما يعزز هذه الفرضية إفساح المجال الفرنسي للخصوم لكي يصولوا ويجولوا بحرية وأريحية، عبر تمكينهم من القيام بأنشطة مناوئة للمغرب “مسيرات/ تنظيم مهرجانات ثقافية واجتماعية / تشريع أبواب البرلمان الفرنسي في وجه الخصوم … 

  • المملكة الهولندية :

    لم تخفت بعد الأزمة الديبلوماسية بين المملكتين المغربية/ الهولندية على خلفية حراك الريف ومحاكمة نشطائه، وما اعترى هذه العلاقات من فتور لا سيما على ضوء التصريحات الرسمية لوزير خارجية هولندا التي أغضبت الجانب المغربي واعتبرها حينداك تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لبلد ذي سيادة، ثم أعقبتها الأزمة القانونية المرتبطة برفض هولندا تسليم النائب الريفي سعيد شعو للسلطات المغربية قصد محاكمته في قضايا الإتجار الدولي في المخدرات، حيث عللت هولندا رفضها هذا بانعدام فرص وإمكانية محاكمة عادلة في حالة تسليمها سعيد شعو …

    اليوم نستفيق مجددا على وقع تفجير أزمة حادة ستكون لها تبعات وتداعيات على مجمل العلاقات الثنائية بين المملكتين، حيث صرحت وزيرة الأمن والعدل الهولندية في كلمة لها أمام برلمان بلادها كون المغرب أعلنها شخصا غير مرغوب فيه وغير مرحب به رسميا … للإشارة فالوزيرة كانت تنوي زيارة المغرب من أجل حثه على استقبال مواطنيه الذين رفضت طلبات لجوءهم بالديار الهولندية . وكنتيجة على رفض الإستقبال تداعى نواب الأحزاب الهولندية “الحزب الإشتراكي/ اليسار/ الخضر” مطالبين الحكومة الهولندية باتخاذ إجراءات ديبلوماسية في حق المسؤولين الرسميين المغاربة “فرض تأشيرة على الدبلوماسيين المغاربة وأعضاء الحكومة …”، مما سيشكل تصعيدا في اللهجة ومعاملة بالمثل قد تتمدد لتشمل دولا أوروبية أخرى سواء من باب التعاطف أو التآزر ضمن فضاء الشراكات الأوروبية، خصوصا وأن عدة دول أوروبية تشاطر هولندا نظرتها لتطورات حراك الريف “ألمانيا/ الدول الأسكندنافية مثال” .

    في خضم هذه التطورات ، الاتحاد الأوروبي اسوة بحلف الناتو يؤكد على وحدة أراضي شبه الجزيرة الإيبيرية بما يشمل مدينتي سبتة ومليلية شمال المغرب، موقف صريح يضع حدا فاصلا أمام مطامح وأحلام المغرب في استرجاع المدينتين السليبتين، ولمزيد من تشريع الأبواب وفتح القلاع الأوروبية في وجه الخصوم، إسبانيا تسمح بتنظيم مظاهرات ومسيرات لصحراويي الدياسبورا المناوئة للمغرب كان آخرها أحداث مدينة فيرونا شمال البلاد، فهل يعتبر هذا إيذانا بتساقط أحجار الدومينو الأوروبية ومؤشر على بداية الإعتراف “بدولة الخصم” ولو بعد حين، لا سيما وأن الإجراءات التنظيمية التحضيرية للقمة المشتركة والمرتقبة بين الإتحادين الأوروبي/ الإفريقي عرفت مشاركة “وزير خارجية الخصم” أعمال الجلسات تحضيرا للقمة المقبلة .

    في ظل هذه الاجواء المشحونة تفيد تقارير دولية عن توصل جبهة البوليساريو بصواريخ دفاع جوي من طراز حديث نوع “بي 300″، فيما تشير تقارير استخباراتية إلى نقل ونشر 19 بطارية بمنطقتين عسكريتين شرق الجدار الدفاعي المغربي، وهي المناطق التي يعتبرها الخصم أراضي محررة ويجري فيها مناورات عسكرية بالذخيرة الحية، تستدعى لها بعثاث عسكرية “موريتانيا مثال” وتجري أطوارها أمام أعين ومسامع أفراد بعثة المينورسو، فضلا عن تسريبات تشير إلى تمكن البوليساريو من التسلح بطائرات مسيرة “درونات” يمكن استعمالها في عمليات الرصد والإستطلاع أو في شن هجمات داخل العمق المغربي في حالة نشوب نزاع مسلح .

    فهل بدأت طبول الحرب تقرع من الآن ؟ أم أنها مجرد حركات تسخينية واستعراض للعضلات على مشارف تنظيم مؤتمر الجبهة مطلع الشهر القادم بتندوف ؟ أم هي ضغوط تمارس على الأمم المتحدة من أجل الإسراع في تعيين مبعوث جديد خلفا للألماني المستقيل وتحديد موعد بداية المفاوضات ؟ 

    بتقديري هو اتضاح للصورة مرهون بنتائج الإنتخابات الرئاسية الجزائرية أواسط ديسمبر المقبل، وهي بالمناسبة الحملة التي أجمع كل المرشحين على الموقف الرسمي المعاند والمشاكس للطروحات المغربية فيما يتعلق بنزاع الصحراء، ومن غير المرتقب تغيير هذه المواقف مهما كانت نتائج الرئاسيات ومن سيكون الرئيس المقبل، علاقات مهما بلغت من تطور وتحسن … تبقى خاضعة للمثل الدارج المأثور “لعداوة ثابثة والصواب يكون” و هذا حال الإخوة الأعداء .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسرة مغربية تفر من جحيم تندوف وتلتحق بأرض الوطن

    الأخبار القادمة من المخيمات تحدثت يوم الإثنين، عن التحاق أسرة مكونة من 6 ...