24 ساعةأخبار وطنيةالصحراء المغربيةالواجهةحقوق الإنسان

صرخة من تحت الرمال: حوار بين شهيد ومسؤول رفيع (الحلقة الأولى)

بقلم رشيد العيرج ابن شهيد حرب الصحراء المغربية

من دار الآخرة إلى الجهات المسؤولة في الدنيا (الحلقة الاولى)

الليل في الصحراء ساكن. لكن تحت الرمال التي ارتوت بالدم الطاهر، لم يغمض لشهيد جفن.

من “دار الحق” صعد صوت. ليس صوت رصاص هذه المرة، بل صوت سؤال.

وقف الشهيد وجهاً لوجه أمام مسؤول عن ملف شهداء الواجب. وجه الشهيد عليه غبار المعركة، وعيناه تريان ما لا تراه عيون الدنيا.

نص الحوار :

الشهيد : السلام عليك أيها المسؤول. جئتك لا لأشكرك. بل جئتك لأسالك.

أنا الذي تركت زوجتي عروساً في ريعان الشباب، وتركت أطفالي رضّعاً، وذهبت. ذهبت لأجل “وحدة التراب”. لأجل راية فوق العيون. قل لي بالله عليك : هل وفينا ؟

المسؤول: رحمة الله عليك وعلى باقي الشهداء . تضحياتكم تاج على رؤوسنا. الدولة لا تنسى أبناءها…

الشهيد : يقاطعه بصوت يهز الحصى:  لا تنسى ؟ إذن لماذا أرى أرملتي من فوق وهي تحمل الدواء بيد، وتعد النقود باليد الأخرى. المعاش “هزيل” لا يكفي لشهر، والأمراض تنخر جسدها ؟ أهذا هو التكريم الذي وعدتمونا به ؟ كرامة لزوجة من مات لأجلكم ؟

المسؤول : يرتبك ويمسح عرقه… هناك إجراءات، وملفات، وميزانيات… نحن نعمل على تحسين الوضع…

الشهيد : تحسين الوضع ؟ وماذا عن أبنائي ؟ فأكبرهم تجاوز الأربعين. شهادة أبيه معلقة على الحائط، والبطالة معلقة في عنقه. يتقدمون للوظيفة فيقال لهم “المناصب محدودة”. يطرقون الأبواب فيرد عليهم “الملف يدرس”.  …أهذا جزاء أبناء من دفع حياته عربوناً للوطن ؟ العيش في التهميش وضيق الحال ؟

المسؤول: صوته يخفت… الدولة تقدر… وهناك برامج للإدماج… وسنعطي الأولوية…

الشهيد: بمرارة : كم مرة سمعت كلمة “سنعمل” و “نعدكم” ؟ لقد سمعتها من قبلك. ومن قبل من سبقك … وعودكم صارت مسكنات. ومسكناتكم صارت هروباً إلى الأمام … ونحن تحت التراب ننتظر . وأهلنا فوق التراب يتألمون.

المسؤول: يخفض رأسه… الوضع معقد… هناك اكراهات…

الشهيد يعلو صوته فجأة : أي إكراه أكبر من الموت ؟ أي ميزانية أغلى من الدم ؟ نحن لم نطلب بناطحات سحاب. طلبنا كرامة … طلبنا لأرملة ألا تتسول الدواء … طلبنا لابن الشهيد ألا يحمر وجهه خجلاً أمام أصدقائه … طلبنا اعترافاً بحجم التضحية . لا بورقة، بل بفعل .

الخاتمة : الصرخة

ساد الصمت. صمت أثقل من رمال الصحراء … ثم ارتجت الأرض. وخرجت من تحت القبور صرخة … صرخة ليست من فم واحد، بل من مئات الأفواه الطاهرة المدفونة من طانطان إلى الكويرة … صرخة اخترقت أجواء الصحراء المحررة بدمائهم،  وعبرت جبال الأطلس،  ووصل صداها إلى أبواب الرباط.

صرخة تقول :

  • “يا أهل الوطن… أكرموا من أكرمكم بدمه.
  • فوالله ما متنا لنُنسى… وما ضحينا لنُهمّش.”
  • فهل من آذان صاغية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى