صناعة الأدوية بين حق العلاج وجشع الأرباح… هل أصبح الإنسان مجرد زبون في سوق المرض؟
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

وفي هذا السياق، يذهب الدكتور ضياء العوضي إلى طرح رؤية شديدة الانتقاد لصناعة الأدوية، معتبراً أن جزءًا كبيرًا منها يركز على السيطرة على أعراض المرض أكثر من معالجة أسبابه الجذرية، وأن تضخم سوق الدواء الذي تقدر مبيعاته بتريليونات الدولارات يطرح تساؤلات أخلاقية حول تأثير المصالح الاقتصادية في المنظومة الصحية. ويرى أن هيمنة الاعتبارات التجارية قد تدفع، في بعض الحالات، إلى إعطاء الأولوية لاستمرار الاستهلاك الدوائي بدل الاستثمار الكافي في الوقاية وتحسين أنماط الحياة. غير أن هذه الآراء تبقى محل خلاف واسع داخل الأوساط العلمية والطبية، التي تؤكد أن كثيرًا من الأدوية الحديثة أنقذت ملايين الأرواح، وأن تقييم أي دواء يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية والتجارب السريرية، لا إلى التعميم.
تشير أحدث التقديرات إلى أن صناعة الأدوية أصبحت واحدة من أكبر الصناعات في العالم، بعدما تجاوزت مبيعاتها السنوية 1.7 تريليون دولار أمريكي خلال سنة 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى حوالي 2.4 تريليون دولار بحلول سنة 2029. وتعكس هذه الأرقام النمو المتواصل لهذا القطاع، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً أخلاقياً وسياسياً بالغ الأهمية: هل ما زال الهدف الأول لصناعة الدواء هو حماية صحة الإنسان، أم أن تعظيم الأرباح أصبح في بعض الحالات يتقدم على حق المرضى في الحصول على العلاج بأسعار معقولة؟
لا أحد يعترض على حق شركات الأدوية في تحقيق أرباح أو استرجاع ما تستثمره في البحث العلمي وتطوير العلاجات، فهذه الصناعة ساهمت في إنقاذ ملايين الأرواح ومكافحة أمراض خطيرة. لكن عندما تصبح أسعار بعض الأدوية بعيدة عن متناول المواطنين، وعندما يجد المرضى أنفسهم عاجزين عن شراء العلاج، فإن من حق المجتمع أن يطرح الأسئلة وأن يطالب بالشفافية والرقابة.
في عدد من دول العالم، أصبحت تكلفة العلاج عبئاً ثقيلاً على الأسر، وأصبح المرض لا يهدد الصحة فقط، بل يهدد أيضاً الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعائلات. فلا يعقل أن يضطر مريض إلى الاختيار بين شراء الدواء أو توفير قوت يومه، ولا أن يتحول العلاج إلى امتياز لمن يملك المال فقط.
وفي المقابل، تبرز مسؤولية الحكومات والبرلمانات والهيئات الرقابية في ضمان المنافسة العادلة، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وتشجيع الأدوية الجنيسة عندما تكون مطابقة للمعايير، ووضع سياسات توازن بين دعم الابتكار وضمان الحق في العلاج.
كما يُنتظر من الأحزاب السياسية والنقابات ووسائل الإعلام والجمعيات المدنية أن تجعل الحق في الصحة والعلاج من أولويات النقاش العمومي، وأن تمارس دورها في الرقابة والمساءلة، وأن تفتح نقاشاً مسؤولاً حول أسعار الأدوية وسياسات التسعير والإنفاق الصحي، بعيداً عن أي تضارب للمصالح أو ضغوط قد تؤثر في المصلحة العامة.
إن صحة الإنسان ليست سلعة، والمريض ليس مجرد رقم في حسابات الأسواق. لذلك فإن قوة صناعة الأدوية الاقتصادية يجب أن يقابلها قدر أكبر من الشفافية والمحاسبة، حتى لا يتحول المرض إلى تجارة، ولا يصبح الدواء امتيازاً للأغنياء.
إن بناء منظومة صحية عادلة يقتضي تشريعات قوية، وهيئات رقابية مستقلة، وسياسات تضع الإنسان قبل الربح، لأن قيمة الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها، بل أيضاً بقدرتها على حماية حياة مواطنيها وضمان حقهم في العلاج والكرامة.





