طلب ود وبرودة رد

بقلم أبو أيوب

    لا زالت أزمة الكركرات ترخي بظلالها بتداعياتها وتبعاتها على العلاقات الثنائية المغربية الموريتانية، وعلى ما له من ارتباط إقتصادي من زاوية الإتفاقية الفلاحية … بين المغرب والإتحاد الأوروبي وما يشمل العلاقات مع دول الجوار، وما يجمع بين أوروبا من اتفاقيات صيد مع بعض البلدان الإفريقية، كون النظرتين لأزمة المعبر متباينتان من منطلق كون المغرب يعترف بأن حدوده الجنوبية مع موريتانيا، التي تنفي في المقابل بأن لها حدود لها مع المغرب وتفصح بحدودها مع الجزائر ومالي والسينغال … ومع ” الوهم ” شمالا .

    إتفاقيات الصيد البحري للإتحاد الأوروبي مع كل بلد على حدة ” المغرب / موريتانيا / السينغال ” ، زاد من تعقيد الموقف من الوضع في المعبر وأثر سلبا على الجانب الإقتصادي للإتفاقيات، عرقلة مرور شاحنات تبريد الأسماك المنطلقة من ميناء نواذيبو في اتجاه إسبانيا أو حبسها في طوابير طويلة على مشارف المعبر من طرف عناصر “الوهم”، مما كبد الصيادين الإسبان أغلبيتهم من منطقة غاليسيا خسائر قدرت ب 15 مليون أورو مرشحة للإرتفاع في ظل الوضع القائم، هذا الوضع دفعهم للإستنجاد بالإتحاد الأوروبي وضرورة تخصيص مساعدات .

    فرغم الزيارات المكوكية لمسؤولي المفوضية الأوروبية لكل من المغرب وموريتانيا الساعية إلى إيجاد تخريجة ما لقضية المعبر، لم تفلح المساعي والجهود في حلحلة الموقف الموريتاني المتشبث باعترافه ب” الوهم” كدولة عضو مؤسس للاتحاد الإفريقي وله حدود مشتركة معها، بالتالي لا مسؤولية له فيما يقع بالمعبر وأن عليهم بالتالي مخاطبة من يهمه الأمر ….

    رد موريتاني على طلب مغربي سعت من خلاله المملكة تليين موقف الجارة الجنوبية من النزاع أو كما يسوق له أحيانا بالحياد الإيجابي وأخرى النأي بالنفس …، طلب لم تستسغه الجارة ولا التفتت إليه ثم سعت إلى تمثين وتثمين علاقاتها الإقتصادية مع الجزائر، من خلال فتح الطريق للمبادلات التجارية بين البلدين عبر معبر تندوف شوم، معبر بدأ به العمل منذ حوالي سنة تقريبا بعد تدشينه الرسمي من طرف الجانبين، ضمن هذا الإطار جرت مباحثاث ثلاثية بين الجزائر وموريتانيا و “الوهم” قبل ثلاثة أيام، حيث تناول النقاش الخطوات المقبلة لتفعيل الإندماج والتكامل الإقتصادي والرفع من انسياب الحركة التجارية بين الأطراف الثلاثة، من نافذة اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية التي تم التنصيص والموافقة عليها أثناء القمة الأخيرة للإتحاد الإفريقي المنعقدة بنيامي عاصمة النيجر .

    وللإشارة، فمن جهة أولى المغرب ومن ينازعه السيادة موقعان على الإتفاقية مبدئيا ورسميا، ومن جهة ثانية مشاركة “الوهم” بوفد عسكري ليس مرده فقط كون الدولتين تعترفان به كدولة قائمة وذات سيادة، وإنما أيضا أن الطريق التجاري المنطلق من تندوف نحو موريتانيا يمر بالضرورة عبر الأراضي التي يسيطر عليها “الوهم” ويعتبرها محررة، ونعتبرها نحن أراضي عازلة شرق الجدار الدفاعي ومنزوعة السلاح وتحت تصرف بعثة المينورسو، ما يفوق 20 / 100 من المساحة الإجمالية للصحراء ….!!!

    لنوضح الأمور من هذه الزاوية أكثر، فتح معبر تندوف شوم وتقاطعه مع أراضي الناحية العسكرية ل”الوهم” هو ترسيخ لحقيقة بدأت تعترف بها الأمم المتحدة نفسها، وفي نفس الوقت تضييق على حركية معبر الكركرات كممر بري وحيد للصادرات المغربية نحو إفريقيا، تواجد عناصر “الوهم” جنوب المعبر وعلى الحدود الموريتانية فضلا عن تواجدهم بالساحل الأطلسي وحتى مدينة الكويرة، تحصيل حاصل لما بدأ يظهر بوضوح حول احتمالية إغلاق المعبر وحرمان المغرب من منفذ بري مع عمقه التجاري الإفريقي، أمر يرقى لحصار تمدد ومحاصرة تودد .

    وفي خطوة رد فعلية للحيلولة دون اكتمال الطوق والحصار، أعلن المغرب عن تخصيص ألف مليار كما أذيع كقيمة استثمارات متنوعة في ميناء الداخلة وعلى مدى سبع سنوات، كمنصة انطلاق وقيمة مضافة لمبادلاته التجارية مع إفريقيا رغم ما يتطلبه الوضع من ارتفاع التكاليف “شحن/ الفترة الزمنية لبوغ المنتجات للأسواق المستهدفة مثال/ ، ومن ثمة جعله منافسا قويا لميناء نواذيبو بموريتانيا، حيث أضحى الأخير ومن شبه المؤكد تحت إشراف شركة موانئ الإمارات العربية المتحدة التي ضخت ملايير الدولارات في مشروع توسعته وتجهيزه وإعداده، على أمل أن يسرق الأضواء ويكون منافسا قويا لميناء طنجة المتوسط وأكبر ميناء إفريقي على الأطلسي .

    فلا عجب أن سمعنا في المستقبل المنظور مثلا، تطاولا إماراتيا على ميناء الكويرة مغلف بتوسعة جغرافية تشاركية بين المينائين المتشارفين، حيث لا يفصل بينهما سوى ما يفصل بين العدوتين الرباط وسلا، وعلينا بالفعل ألا نتعجب انطلاقا لما يشاع حاليا عن مطالب إسبانية بعقارات لها بكل من العيون والسمارة والداخلة والكويرة في ملكية الدولة الإسبانية “ليسوا بالمناسبة سفارات ولا قنصليات ولا تمثيليات ديبلوماسية …” ، وكأني بها تعيد من جديد إحياء ماضيها الإستعماري و مسؤوليتها التاريخية اتجاه الصحراء ، خاصة بعد تنامي وتغلغل نفوذ “الوهم ” في الوسط السياسي والحقوقي ومنظمات المجتمع المدني … تغلغل وصل حد طلب رسمي إسباني داعم لتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء .

    المنحى الإسباني إن كتب له النجاح يعد في حد ذاته تصعيدا خطيرا تجاه الشريك المغربي، ولا يقل أهمية عما تقوم به الجزائر وموريتانيا و “الوهم” ، لينضاف إلى الضغوط الروسية والجنوب إفريقية والأممية من خلال المشاورات الجارية على قدم وساق بمجلس الأمن الدولي بخصوص تعيين مبعوث أممي جديد للنزاع خلفا للمستقيل كوهلر، فضلا عن كون الأمين العام السيد غوتيريش مطالب هو الآخر بتقديم تقريره حول الصحراء متم أكتوبر القادم وقبل نهاية انتداب بعثة المينورسو .

    زحمة الأجندة الأممية وتسارع الأحداث بالمنطقة وتشابك الملفات “الإرهاب/ المخدرات / الهجرة الغير شرعية …” ، يشير إلى تصاعد الضغوط على طرف دون آخر من أجل انتزاع تنازلات مؤلمة قد تفرغ مبادرة الحكم الذاتي المغربية من محتواها، لذا وجب ترقب الأسوء، على ضوء ما يشاع عن احتمالية تعيين مستشار الأمن القومي الأمريكي المقال جون بولتون كمبعوث أممي جديد خلفا للألماني المستقيل .

    قد يقول قائل هذا من سابع المستحيلات وأن الرجل لم يعد له من مكان في مسرح السياسة الدولية بعدما أقيل أو عزل أو أعفي، لكن السياسة فن الممكن قبل أن تكون أخلاق ولنا في تجربة هنري كيسنجر خير مثال وبصماته لا زالت شاهدة على تأثيره في القرار السياسي لبلده، كذلك هو الشأن لجون بولتون الذي يستساغ نعثه بطائر الفينق، تاريخه السياسي يشهد له على هذا ” ظهوره منذ عهد ريغان وتقلبه في عدة مناصب إلى حدود الأمس” .

    ولربما بحسب المحللين، هذا قد يكون ما لمحت به روسيا بمناسبة ترؤسها الدورة الشهرية لمجلس الأمن الدولي، أو من خلال اشتراطاتها في مسألة تعيين خلف للمستقيل “الصرامة/ الجرأة/ الكاريزما/ الشجاعة في اتخاد الموقف”، وكأني بها تشير إلى إسمه من خلال التناوب الثنائي بين أوروبا وأمريكا على منصب المبعوث الشخصي .

    إن حصل هذا، فعلينا بما تنبأت به الشوافة من قتامة وحلكة وضبابية القادم من الأيام، ولنا أدومة والنيبا وعبدو الويفي … وموازين ومواسم الصالحين لنرقد سالمين في أمن وطمأنينة، فتواجدهم بين ظهرانينا يدفع الشرور والبلاء ويقي من الحسد والبغضاء، وإلى مقال آخر أستودعكم في ظل من لا تضيع ودائعه …

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاجر الريسوني تعانق الحرية بعد عفو ملكي

    تتبع الرأي العام المغربي بكثير من الاهتمام ملف الصحفية هاجر الريسوني، وسال كثير ...