طنجة وضواحيها: بين أيدي السماسرة وعوائق التشريع

طنجة، بوابة المغرب إلى العالم، المدينة ذات التاريخ العريق والهوية الثقافية المتجذرة، تواجه اليوم تحديًا وجوديًا يُهدد جمالها وانسيابيتها العمرانية. ففي ضواحيها، حيث تتناغم الطبيعة مع أطياف الحضارة، تنشط أيادٍ خفية وسماسرة عقاريون يمارسون أنشطة غير قانونية بجرأة فاضحة، في مشهد يثير التساؤلات حول مدى نفاذ القانون واستمرارية هيبته.
لا يزال السماسرة يعرضون تجزئات أراضٍ “سرية” على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة عبر “فيسبوك”، متحدين بذلك السلطات التي سبق وأن هدمت هذه الأراضي لكونها مقامةً على أملاك الدولة. هذه الممارسات غير القانونية لا تقتصر على مجرد بيع أراضٍ، بل تتعداها إلى إعادة تدوير المشكلة، حيث يُعاد بيع الأراضي التي سبق أن أُزيلت، في محاولة لإضفاء شرعية زائفة على أنشطة تستهدف تحقيق الربح بأي ثمن، ولو على حساب المصلحة العامة.
وتشير التقارير إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد نشاط فردي عشوائي، بل هي شبكة متشابكة قد تضم أطرافًا متعددة في الجماعات المحلية، ممن يُشتبه في تورطهم بإصدار وثائق عدلية قديمة تُستخدم لإعادة إعطاء هذه الأراضي طابعًا قانونيًا وهميًا. هذا التواطؤ المحتمل يُسهم في تعقيد المشهد، ويُحوّل الأمر إلى قضية تتطلب تحقيقات معمقة وشاملة.
تعد مناطق مثل حجر النحل، إشراقة، والعوامة من أبرز البؤر التي تشهد تفشي البناء العشوائي، مما أدى إلى تشويه الطابع العمراني لهذه المناطق. حجر النحل، التي تضم عدة مداشر تطل على المدخل الرئيسي لطنجة، أصبحت مثالًا حيًا على هذا التشوه العمراني الذي يُسيء لجمالية المدينة وواجهتها الحضارية. هذه المناطق، التي يفترض أن تكون مدخلًا مشرقًا لعاصمة البوغاز، تحولت إلى مساحات تعج بالمباني العشوائية التي تتحدى القوانين بشكل صارخ.
وفي دوار إشراقة، المطل مباشرة على المدخل الرئيسي لطنجة، تنتشر عشرات المباني العشوائية، وكأنها تُشكل لوحة فوضوية تُناقض تمامًا صورة المدينة كوجهة سياحية جذابة. هذه المخالفات العمرانية تثير تساؤلات لا تنتهي حول كيفية السماح بوجود مثل هذه التجاوزات في مداخل المدن، التي يُفترض أن تكون عنوانًا للنظام والتحضر.
في السنوات الماضية، نفذت السلطات المحلية، بتعليمات ولائية، حملات مكثفة ضد البناء العشوائي، حيث تم هدم العديد من المباني المخالفة وإحالة أصحابها إلى القضاء. لكن، وعلى الرغم من هذه الجهود، عادت الظاهرة لتطل برأسها من جديد، مما يعكس تحديًا حقيقيًا أمام الجهات المسؤولة.
المشكلة لا تتوقف عند البناء العشوائي فقط، بل تتعداها إلى أساليب التلاعب بالقوانين. في بعض الحالات، يلجأ أصحاب المباني المخالفة إلى تقوية هياكلها بإضافة دعائم إسمنتية خارجية، في محاولة للالتفاف على القوانين والقرارات الولائية. هذه الأساليب تُظهر مدى الجرأة التي يتمتع بها المتورطون، وما يزيد الأمر سوءًا أن هذه التجاوزات تُطرح في العلن، وكأنها إعلان عن تحدٍ سافر للقانون.
في ظل هذه الأوضاع، تتعالى أصوات الجهات المتابعة للملف، مطالبة بفتح تحقيقات شاملة للكشف عن جميع المتورطين في هذه الأنشطة المشبوهة، سواء كانوا من السماسرة أو من الجهات التي يُشتبه في تواطئها. الهدف الأساسي من هذه التحقيقات ليس فقط تطبيق القانون، بل أيضًا إعادة الهيبة إلى المشهد العمراني ومنع استمرار تشويهه.
كما أن هناك دعوات متزايدة لتفعيل لجان التفتيش بشكل أكثر صرامة، خاصة في ظل التقارير السلبية التي تشير إلى تفشي البناء العشوائي في مناطق معينة. وينصب التركيز هنا على ضرورة معالجة هذه الظاهرة من جذورها، وليس فقط من خلال حملات الهدم التي قد تكون حلًا مؤقتًا.
طنجة ليست مجرد مدينة عادية، إنها رمز للتاريخ والحضارة والانفتاح. ولكن هذا الرمز يواجه اليوم خطر التحول إلى صورة مشوهة بفعل الممارسات غير القانونية والتجاوزات العمرانية. إن الحفاظ على هوية طنجة وجمالها لا يتطلب فقط جهود السلطات، بل يستدعي أيضًا وعيًا مجتمعيًا بأهمية احترام القانون وحماية المصلحة العامة.
في النهاية، تبقى طنجة ضوءًا ساطعًا في شمال المغرب، ولكن هذا الضوء يحتاج إلى حماية دائمة من أيادي الفساد والجشع. إنها أمانة في أعناق الجميع، مسؤولين ومواطنين، للحفاظ عليها كمدينة تجمع بين عبق الماضي وآفاق المستقبل.





