
بقلم: عبد الرحيم بودلال
خرج الشباب في “حراك الريف” للمطالبة بالحد الأدنى من الحقوق والخدمات الاجتماعية؛ على رأسها جامعة ومستشفى. وتكرر المشهد مع جيل زد (Z) الذي رفع مطالب ذات طبيعة اجتماعية محضة، بعيدة عن الطموحات السياسية، تركزت في الحق في تعليم ذو جودة ورعاية صحية متميزة. وفي سياق هذا الحراك المستمر، برزت أصوات تضامنية واعية، كصوت الأستاذ المنحدر من مدينة تطوان الذي تضامن مع الشباب عبر لايفات، والذي نبه لقصور المقاربة الأمنية للنظام المخزني في تعاملها مع الشباب، في الازدواجية بين الخطاب والممارسة؛ فبينما يُعاقب التلاميذ داخل الأسوار التعليمية بـ”أنشطة موازية” ذات طابع تأديبي كالبستنة والزراعة، يُواجهون في الشارع العام بالقمع والاعتقال والزج في السجون. وعندما تم توقيف الأجرة عنه فإنه تحول إلى حالة إنسانية، وقبله الزفزافي ورافقه، كيف تحلوا من أصحاب حق إلى حالات اجتماعية وإنسانية تستدعي الرحمة والعفو.
هنا تظهر المفارقة السوسيولوجية المؤلمة: يكون المناضل مناضلاً، صامداً ونداً، قبل أن تطأ قدمه عتبة السجن أو قبل أن يُقطع شريان رزقه بتوقيف أجره. وبغض النظر عن طبيعة التهم الجاهزة التي تُلفق له، وبصرف النظر عن مدى قانونية أو لاقانونية الإجراءات التعسفية كتوقيف الأجور، فإن التحول الحقيقي يحدث ما بعد العقاب. قد يفيدنا مشيل فوكو من خلال العلاقة بين السجين والسلطة في فهم الموضوع.
في تلك اللحظة من العقاب، يتم نزع “الرأسمال الرمزي” عن المناضل، ليتحول من “صاحب حق” و”فاعل سياسي واجتماعي” إلى مجرد “حالة إنسانية” تستدعي عطف الجميع ومؤازرتهم.
عند هذا المنعطف، يتدخل عوامل الشفقة والرحمة في المجتمع، فيبدأ المواطن البسيط، والفاعل الجمعوي، والبرلماني، في مناشدة “العقل المخزني” مستعطفين ومطالبين بالصفح والعفو والالتفاتة الإنسانية. هذا التحول ليس عبثياً، بل هو استراتيجية سلطوية تهدف إلى إعادة إنتاج علاقة “الراعي بالرعية”؛ حيث يُجبر المجتمع على نسيان أصل المشكل (وهو الحق المشروق) والتركيز على النتيجة (المأساة الإنسانية للمُعاقب).
إن تعاطف المواطن البسيط مع صاحب الحق بعد انكساره، وتراجع الخطاب من “المطالبة بالحقوق الدستورية” إلى “استجداء الفرج الإنساني”، يمثل ذروة النجاح الاستراتيجي للمقاربة الأمنية، حيث يتم إفراغ النضال من محتواه الفكري والسياسي والحقوقي، ليصبح الحق الوجودي مجرد منة وفضل يتم منحه.
وثمة مفارقة أخرى؛ فالمناضل الذي خرج منذ البداية من أجل المطالبة بحق عمومي لكل الناس، ودفع من حريته وقوته لرفع الحيف عن مجتمعه، يجد نفسه فجأة في قلب مفارقة رومانسية، إذ يتحول من موقع “البطل الذي يدود عن المصلحة العامة” إلى “ضحية” تستدعي شفقة هؤلاء الناس أنفسهم. وبدلاً من أن تلتف حوله الجماهير كرمز للصمود وقائد للتغيير، يعاد تصنيفه داخل المخيال الشعبي عبر “آلية الوصم الاجتماعي” كعبء أو كـ”حالة معزولة” يُخشى الاقتراب منها أو التماهي معها. هذا الهبوط من موقع القوة والجرأة إلى وضعية الانكسار والوصم، يمثل اغتيالاً رمزياً للمناضل، حيث يصبح مصيره خطاً أحمر وعبرةً تخيف الآخرين، وتجعل المجتمع يتعامل معه بحذر مشوب بالرثاء، بدلاً من التضامن الفاعل والواعي.
لذلك يجد المناضل نفسه في لعبة سيكولوجية وسياسية قذرة، يحاول أن يدير معركته بنوع من “الذكاء الاستراتيجي” و”النضال المرن، يزعج السلطة قليلا ويقض مضجعها، لكنه دون أن يتحول إلى مأساة اجتماعية.





