عندما تصبح الدولة على المحك: إقالة وزير الداخلية بقرار من الملك محمد السادس كرسالة حاسمة أن لا أحد فوق مصلحة المملكة
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في خضم الجدل المتصاعد حول اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ التي تلاحق وزير الداخلية، يجد المشهد السياسي المغربي نفسه أمام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لشخص الوزير، بل لمصداقية الدولة ومؤسساتها برمتها. فحين تُثار شبهات حول المسؤول الأول عن الإشراف على الانتخابات، فإن السؤال لا يعود شخصياً، بل يتحول إلى قضية ثقة عامة تمس جوهر العملية الديمقراطية.
إن وزارة الداخلية، بحكم موقعها الحساس، ليست مجرد إدارة تقنية لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية، بل هي العمود الفقري لضمان نزاهتها وشفافيتها. ومن هنا، فإن أي اهتزاز في صورة من يقود هذه المؤسسة ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في صناديق الاقتراع. كيف يمكن إقناع الناخب بأن صوته له قيمة، إذا كان المسؤول عن حماية هذا الصوت محاطاً باتهامات ثقيلة؟ وكيف يمكن للأحزاب السياسية أن تخوض انتخابات في مناخ يشوبه الشك، دون أن تفقد هي الأخرى مصداقيتها أمام قواعدها؟
الأخطر من ذلك، أن الصمت أو التجاهل الرسمي لمثل هذه الاتهامات يفتح الباب أمام تأويلات أخطر. فغياب التحقيق الشفاف والسريع لا يُفهم إلا كنوع من التواطؤ أو محاولة لطمس الحقيقة، وهو ما يغذي شعوراً عاماً بأن قواعد المحاسبة لا تُطبق على الجميع. في دولة تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، لا يمكن القبول بمنطق “الإفلات من العقاب”، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمسؤول في موقع حساس.
إن الأزمة اليوم ليست أزمة شخص، بل أزمة ثقة. ثقة المواطن في الانتخابات، في الأحزاب، وفي المؤسسات. وإذا لم يتم التعامل مع هذه القضية بالجدية المطلوبة—فتح تحقيق مستقل، إعلان نتائجه للرأي العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة—فإن الضرر لن يتوقف عند حدود هذا الاستحقاق الانتخابي، بل سيمتد ليقوض ما تبقى من ثقة في المسار السياسي ككل.
المغاربة لا يطالبون بالمستحيل، بل بالحد الأدنى: الشفافية، المحاسبة، واحترام ذكاء المواطن. أما استمرار الغموض، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الدولة والمجتمع، وإلى تكريس قناعة خطيرة مفادها أن الانتخابات مجرد واجهة، وأن النتائج محسومة سلفاً.
وفي ختام هذا النقاش، يبرز مطلب ملحّ لا يمكن القفز عليه، وهو ضرورة تدخل صاحب الجلالة الملك محمد السادس بصفته الضامن الأسمى لاحترام الدستور وحسن سير المؤسسات، من أجل حماية المكتسبات الديمقراطية التي لم تأتِ من فراغ، بل كانت ثمرة نضالات طويلة وتضحيات جسام قدمتها أجيال من شرفاء هذا الوطن. إن هذه اللحظة الدقيقة تتطلب تحكيماً حكيماً يعيد الثقة للمواطن، ويؤكد أن دولة المؤسسات قادرة على تصحيح اختلالاتها بنفسها، وأن الإرادة في الإصلاح لا تزال قائمة وقادرة على صون ما تحقق من تراكمات ديمقراطية.
فمن المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





