
محمد المختار الشنقيطي
أثارت ملاحظاتي عن نظرة الشهيد القائد السنوا ر لاستراتيجية العلاقة بين حركة حما س وإيران نقاشا مثمرا، ومِراء مؤسفا. لذلك أجدني مضطرا لتقديم هذه الإيضاحات، لعلها تضع الأمور في نصابها.
1. جادل بعض الأحبة بأن جل وثائق (حماس) المسرَّبة يرجع تاريخها إلى عام 2021، وتغافلوا عن أن وثيقتي الشهيد القائد السنوار اللتين عنيتهما -وإليهما أعود في هذه الملاحظات- ليسا من وثائق 2021، بل إحداهما مكتوبة في يونيو 2022، والثانية مكتوبة في شهر مارس 2023 (قبل الطوفان بسبعة أشهر فقط). وكلتا الوثيقتين جزءٌ من التحضير للطوفان، كما هو واضح من نصهما وسياقهما. ولستُ أختلف مع القائلين بأن العدو الهصوني الفاجر يؤوِّل تلك الوثائق المسرَّبة تأويلا سيئا، ووذلك الظن به. لكن ذلك لا يعفي أهل القضية -في رأيي- من واجب تقديم هذه الوثائق للناس بطريقة تبني الوعي، وتقدِّم العبرة. فهي لم تعد سرِّية بعد أن سارت بها الركبان الإلكترونية إلى أركان الأرض، وعبثت بها أيدي العدو أكثر من عام. أما مجرد التسكيت والتبكيت، فلا يبني وعيا، ولا يحصد عبرة.
2. خلاصة ما خرجتُ منه -شخصيا- من عبرة من هذه الوثائق هي أن الشهيد القائد السنو ار كان سياسيا بارعا، ذا حاسة استراتيجية، وروح عملية. وأنه كان مدركا لطبيعة علاقة المقاومة الفلسطينية بإيران، بخلاف من يقدِّسون تلك العلاقة أو يدنِّسونها، ممن آذوا السنوا ر وصحبه كثيرا، بسذاجتهم حينا، وبسوء ظنهم أحيانا. فقد كان الشهيد السنو ار يدرك الفجوة القائمة -دائما- بين غايات الداعم وغايات المدعوم في علاقات حركات التحرر الوطني بالدول الداعمة لها. ففهم أن غاية إيران الاستراتيجية من حما س هي مشاغلة الصهاينة عن برنامجها النووي، بينما غاية حماس الاستراتيجية من إيران هي الاستعانة بها في تحرير الأرض والمقدَّسات. والمصلحة قائمة بين الطرفين مع اختلاف الغايتين. ولا يعني هذا أن حسابات أي منهما نفعية محضة، لكن لكل منهما أولوياته.
3. وبناء على اختلاف الغايات الاستراتيجية أدرك الشهيد السنو ار اختلاف الحسابات العملية بين الحليفين، رغم الاشتراك في المصلحة، فكتب: “حسبة إيران وأجنحتها -خاصة الحزب- ليست كحساباتنا بالمطلق. حيث إن بناء قوة حزب الله، ومحاولة بناء القوة الإيرانية في سوريا، وفي العراق، وفي اليمن، هدفها الأهم تشكيل درع لإيران، وللمشروع النووي لديها.” وفي موضع آخر كتب: “وحساباتنا التي قد تختلف في لحظة ما معهم مائة وثمانين درجة، أو قد تتفق معهم مثلها، أو تتفق معهم أو تختلف معهم بدرجات معينة أو بأخرى…”
4. ولم يكن خافيا على الشهيد السنو ار أن (حما س) -في المنظور الاستراتيجي الإيراني- جزء من الدرع الذي يحمي برنامج إيران النووي حتى يكتمل. ففي تحليله العميق لما يريده الإيرانيون من (حما س) كتب: “وهم يراهنون -بعدما رأوا شكيمتنا وبأسنا- على واحدة من اثنتين: إما أن نهشِّم الاحتلال، ونكسر قدراته على مهاجمتهم، ونوفِّر عليهم حربا طاحنة، ليستكملوا مسيرتهم في الانضمام إلى النادي النووي… أو أن نستمر في مشاغلة الاحتلال واستنزافه في غزة… [أو] أن نكون ضمن حالة الرد في حالة شنَّ العدو الصهيوني هجوما على إيران.” ثم خلص إلى القول: “وعلى كل حال فإن وجودنا أقوياء عسكريا، واستنزافنا للعدو بأي مستوى، أو إعدادنا العسكري، يخدمهم بصورة كبيرة.”
5. وكان الشهيد السنوا ر يفكر على مستوى الاستراتيجية العليا، وينظر بعين البصير إلى الطاقة المختزنة في الطوفان القادم -قبل بدء الطوفان- وبأنه سيغير وجه الأرض ومسار التاريخ، بغضِّ النظر عن الآلام والأثمان على المدى القريب، وبغضِّ النظر عمَّا تريده إيران أو غيرها. فكتب: “إننا قادرون على تغيير الشرق الأوسط، وعلى خلط الأوراق”. فهو مصرٌّ على وضع الجميع أمام التحديات والمسؤوليات التي طالما تهرَّبوا منها. لكنه كان واقعيا جدا فيما توقعه من إيران، باعتبارها دولة يختلف منطقها عن منطق حركة تحرر وطني مثل (حما س)، فكتب إن الإيرانيين “لن يستطيعوا أن يواكبوا اندفاعنا وهجوميَّتنا، وسيرون أن مجرد الاتفاق على الدفاع المشترك سيجرهم إلى مواجهات وحروب لا يريدونها”. ومع اقتناعه بأن إيران لن تشارك في الطوفان، فإن ذلك لم يُثنه عن اندفاعة 7 أكتوبر 2023، مستشهدًا بقول الشاعر:
عليَّ طِلاب العز من مُستقَـــــــــرِّه
ولا ذنب لي إن عارضتني المقادرُ
ومعلِّقا على البيت بالقول: “والأهم أن نندفع نحن بكل جدِّية. فإن ساروا معنا فذلك خير. وإن تراجعوا -وهو ما أرجِّحه- فلن نخسر شيئا.”
6. ختاما أرجو أن يفهم جميع المتحمِّسين المتحفزِّين للجدل والردود، والردود على الردود، أنني لستُ جزءا من النقاش داخل صف حركة ح ماس، وأني أدين الله تعالى بمحبة جميع شهدائها وقادتها وجنودها وناشطيها، وناسِها البسطاء الأتقياء الأخفياء… وأن تحويل كل حديث عن الطوفان أو عن قيادات حما س -الشهداء أو الأحياء- ضربا من الحملات الانتخابية الداخلية ليس مما يهمني، لأني لم أكن -ولن أكون- طرفًا فيه، وهو في نظري عبث لا يليق، وصبيانية سياسية، توسِّع الشرخ، وتُخرج التنوع الداخلي الصحي في الحركة إلى استقطاب وحزازات غير صحية، وتُدْرج في دائرة الخلاف الداخلي من لا ناقة لهم ولا جمل فيه. فالشهيد الخالد أبو إبراهيم في غنىً عن الدفاعات الصبيانية الباردة، والشهيد الحيُّ أبو أسامة في غنىً عن الحملات الانتخابية الفجة، والسياسي المخضرم أبو الوليد في غنىً عن التسويق لنفسه.
والله الموفق لكل خير لا شريك له.





