24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

*​غصّة في ثوب العيد: عن الذين رحلوا وبقيت تفاصيلهم تُربك استمرارنا*

الفقد غصة صامتة، جرح غير مرئي يعيد فتح نفسه مع كل مناسبة كان للراحلين فيها مقعد وضحكة. وفي مناسبات كالعيد، حيث يتجلى الوجود الإنساني بأبهى صوره في اللقاء والبهجة، يصبح الغياب أكثر ثقلاً وعمقاً. تلوح في الأفق ذكرياتهم، وتتحول التفاصيل الصغيرة—كتحية الصباح، أو فنجان القهوة المشترك، أو حتى نبرة الصوت التي غادرت المكان—إلى تفاصيل تضج بالحنين، لتذكرنا بأن النقصان في حضرة الاكتمال يكون أشد إيلاماً.

​صحيح أن الحياة قطار سريع لا يتوقف لأجل حزن أحد، يدفعنا للأمام بقوانينه الصارمة ومشاغله اليومية، لكن الاستمرار لا يعني دائماً التعافي الكامل. نحن نستمر، ولكن ليس بالطريقة التي نتمناها أو نرسمها في مخيلتنا. نسير في دروب الأيام بقلوب تحمل ندوباً غير مرئية، نبتسم للمهنئين، ونشارك في الطقوس، ونقوم بالواجبات، ولكن بداخلنا مساحة دافئة وساكنة مخصصة فقط لمن غابوا، مساحة لا يطؤها صخب العالم الخارجي.


​ومع انقشاع الأيام ومرور الوقت، يحدث ذلك التحول الخفي الذي يسمى التكيف. الوقت لا يمحو الحزن ولا ينسينا المفقود، بل يعيد ترتيب مكان الحزن بداخلنا. يتحول ذاك الألم الحاد والمدمر في بداياته إلى واقع هادئ يفرض نفسه علينا. نتعلم كيف نعيش مع الفراغ دون أن يبتلعنا، وكيف نتذكر الراحلين بابتسامة ممتنة للأيام التي جمعتنا بهم، بدلاً من الدموع التي لا تجف. يصبح الفقد جزءاً من تركيبتنا الإنسانية، وصوتاً خفيضاً يرافقنا في تفاصيل عيشنا.

​هذه هي الحكمة القاسية للحياة؛ في كل مرة يرحل فيها أحدهم، يترسخ هذا الواقع أكثر فأكثر. ندرك أن الغياب ليس حدثاً عابراً، بل هو رفيق موازٍ للحضور. نتعلم مع كل غياب جديد كيف نشد أزر قلوبنا، وكيف نتقبل فكرة الوداع كجزء أصيل من حكايتنا على هذه الأرض. نستمر في العيش، نحتفي بالأعياد والمناسبات، نكرم ذكراهم بالدعاء والحب، ونسير للأمام حاملين إياهم في حنايا الروح، متكيفين مع واقع يذكرنا دائماً بأن من نحبهم يغيبون عن الأعين، لكنهم لا يرحلون أبداً عن الوجدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى