غمزة :”مدارس الريادة”: شعار لامع… وواقع مخيب للآمال

يُروَّج لمشروع “مدارس الريادة” على أنه بداية عصر جديد للتعليم المغربي، وأنه القاطرة التي ستخرج المنظومة التعليمية من أزمتها التي طال أمدها. غير أن ما يعيشه الميدان التربوي منذ إطلاق هذا المشروع يكشف أنه ليس سوى واجهة دعائية براقة تخفي واقعاً مرتبكاً، وأنه يكرر أخطاء مشاريع سابقة لم تحقق أي أثر ملموس.
منذ البداية، اتسم المشروع بالارتجال وغياب التخطيط. فقد تم تنزيله على عجل، دون توفير البنية التحتية الضرورية، أو الاستعداد اللوجيستي والموارد البشرية اللازمة. كيف يمكن أن نحدث “مدارس ريادة” في مؤسسات ما زالت تعاني من أقسام مكتظة يتجاوز فيها عدد التلاميذ الخمسين، ومرافق متهالكة، ونقص حاد في الوسائل التعليمية؟ هل يعقل أن نتحدث عن الجودة ونحن نفتقر إلى الأساسيات؟
الخطاب الرسمي يروج أن المشروع يضع التلميذ في صلب العملية التعليمية، لكن الواقع يقول عكس ذلك. التلاميذ اليوم يعيشون حالة ارتباك غير مسبوقة، بسبب المناهج الجديدة التي فُرضت عليهم دون إعداد تدريجي، وغياب مواكبة حقيقية تضمن فهمهم واستيعابهم. النتيجة أن الكثير منهم أصبحوا ضحية تجارب فاشلة، يعانون ضعفاً في القراءة والكتابة، وتراجعاً في التحصيل، وفقداناً متزايداً للثقة في المدرسة العمومية.
أما الأساتذة، الذين يمثلون العمود الفقري لأي إصلاح، فقد تم تهميشهم بشكل واضح. فُرضت عليهم برامج وأساليب جديدة دون تكوين معمق، وتم تحميلهم أعباء إضافية دون أي تحفيز مادي أو معنوي. كيف يُطلب من الأستاذ أن يبدع ويطور أداءه في ظل ظروف عمل خانقة ورواتب لا تتماشى مع حجم المسؤوليات؟
ثم إن المشروع نُفذ دون إشراك فعلي للفاعلين التربويين أو النقابات أو الأسر. لم يُفتح نقاش مجتمعي واسع قبل إطلاقه، ولم تُجرَ تقييمات موضوعية للمشاريع السابقة التي استنزفت ميزانيات ضخمة دون أن تحقق أهدافها. هذا الغياب للمحاسبة والشفافية يعمق الشكوك حول نوايا المشروع، ويطرح تساؤلات جدية عن مصيره.
بدل أن يكون المشروع فرصة حقيقية للإصلاح، تحول إلى مجرد عملية تجميلية تسعى إلى إرضاء الرأي العام داخلياً وخارجياً. فالتغيير الحقيقي لا يقوم على تغيير الأسماء والشعارات، بل على إصلاح جذري للبنية التحتية، وتكوين وتحفيز المدرسين، وتقليص الاكتظاظ، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن مشروع “مدارس الريادة” في صيغته الحالية لا يمثل خطوة نحو النهوض بالتعليم، بل هو قفزة في الفراغ تهدد بمزيد من الفشل والهدر. فالتعليم ليس مجالاً للتجارب العشوائية أو الحملات الإعلامية، بل هو مشروع وطني يتطلب رؤية واضحة، وإرادة سياسية قوية، وانخراطاً جماعياً صادقاً.
إنقاذ المدرسة المغربية لن يكون عبر “مدارس ريادة” مبنية على أسس هشة، بل عبر مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد الاعتبار للتلميذ والأستاذ، وتضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات الضيقة. وإلا سنظل ندور في الحلقة نفسها، نستهلك شعارات جديدة كل بضع سنوات، بينما يتراجع مستوى أبنائنا جيلاً بعد جيل.





