مجرد رأي

غمزة :”نحن ونحن”… هل نملك الشجاعة لنقول الحقيقة لأنفسنا؟

متى يحين الوقت لنقف وقفة صدق مع ذواتنا كفاعلين جمعويين؟ متى نقدم أنفسنا للآخر كمجتمع مدني يملك مشروعية الخطاب، ومقومات التأثير، ومهارات التواصل والإقناع؟ متى نخرج من عتمة التجاذبات الصغيرة لننير فضاءاتنا بنضج العمل الجمعوي وجمالياته وصدقه؟

الواقع أننا في حاجة إلى لحظة وعي، نعيد فيها النظر إلى أنفسنا… لا إلى الآخر. فما الفائدة من الحديث عن الشراكات، عن التنمية، عن الإدماج، عن التمكين، إذا كنا نحن غارقين في هشاشة فكرية وتنظيمية، تتجلى في صراعات داخلية، ومصالح شخصية، وغموض في الأدوار، وضعف في التكوين، وتيه في الرؤية؟ لماذا نطالب الآخر بأن يصغي إلينا، ونحن لا نصغي إلى بعضنا؟ لماذا نمد أيدينا للبعيد بينما نُقصي القريب وننتج الإقصاء من الداخل؟

إن السلوك الجمعوي ليس ملء استمارات، ولا حضور لقاءات، ولا رفع شعارات. العمل الجمعوي الحقيقي هو التزام أخلاقي، ومعرفة، وانخراط في المشروع الجماعي بوعي لا يُسقط الغايات من سلم الأولويات.

حين نقول “نحن ونحن”، فإننا نطرح سؤال المصالحة مع الذات: هل تصالحنا مع اختلافاتنا؟ هل نملك فعلاً ثقافة الاعتراف بالآخر الجمعوي؟ هل نؤمن بتكامل الأدوار أم نمارس التهميش المقنع؟ هل نملك مشروعًا مشتركًا أم أن كل فاعل يغني على ليلاه؟

لقد أصبح من الضروري أن ندخل إلى ورشة كبيرة لإعادة تأهيل الفكر والسلوك داخل المشهد الجمعوي، لا من أجل أن يرانا الآخرون بصورة أفضل، بل لكي نصبح نحن أفضل مع أنفسنا. فما أكثر ما نردد مبادئ جميلة – من قبيل التضامن، المشاركة، الديمقراطية، التربية على القيم – دون أن تجد هذه المبادئ مكانًا في سلوكنا العملي داخل التنظيمات.

كيف نتحدث عن بناء الإنسان، ونحن نتجاهل أصوات المنخرطين؟ كيف نرفع شعارات العدالة الاجتماعية، ونحن نمارس الإقصاء والتسلط داخل الجمعيات؟ كيف نروج لثقافة التعدد والاختلاف، ونحن لا نحتمل النقد أو الرأي الآخر داخل مكتبنا المسير؟

إننا في مرحلة حرجة، تفرض علينا أن نراجع أدواتنا، وأن نُعيد رسم ملامح الدور الجمعوي، بعيدًا عن اللهاث وراء التمويل، أو حضور الصور التذكارية، أو افتعال المبادرات. نحن بحاجة إلى إعادة بناء ثقافة جمعوية أصيلة، تحترم ذكاء الناس، وتنهض بالفعل الميداني المسؤول، وتُربي على الحوار لا الصراع، على المشاركة لا السيطرة.

لنبدأ من “نحن”، ولنؤجل “الآخر” حتى نتصالح مع ذواتنا، ونرتب بيتنا الداخلي، ونفكك آليات التنازع والتصنيف، ونتوقف عن إنتاج الخلافات، ونتوجه إلى صناعة الأثر بدل تبادل التهم.

لسنا في حاجة إلى جمعيات أكثر، بل إلى صدق أكبر. ولسنا في حاجة إلى مبادرات جديدة بقدر ما نحتاج إلى عقول جديدة تدير المبادرات.

فهل نملك الشجاعة لنقولها لأنفسنا أولاً: نحن بحاجة إلى إصلاح أنفسنا قبل أن نطالب بإصلاح محيطنا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى