غياب التوازن و قلب الموازين

بقلم أبو أيوب

    المغرب الرسمي يلتزم الصمت المطبق ، و لا تصريح لرئيس الحكومة و لا موقف رسمي لوزارة الخارجية ، بشأن ما حدث بمدينة سبتة منذ حوالي أسبوعين و قد يحدث شبيهه بمدينة مليلية .

    الحدث الذي مروا عليه مرور الكرام و لم يشجبوه و لا نددوا به ، يتجسد في الزيارة الرسمية التي قام بها السفير الفرنسي المعتمد بالجارة الإيبيرية إسبانيا . من مدريد انطلقت الزيارة صوب سبتة بالشمال المغربي ، و من هناك أعلن في تصريح رسمي عن قرب إعادة فتح القنصلية الفرنسية بالمدينة ( المحتلة أو السليبة ) .

    للتذكير ، أغلقت القنصلية الفرنسية بالثغر السليب أواخر 2014 و بداية 2015 ، بدعوى عدم وجود جالية فرنسية معتبرة بالمدينة ( عدد الفرنسيين آنذاك بالكاد يتجاوز 60 نفرا )، في حين تم الإكتفاء بثمثيلية قنصلية فرنسية بمدينة مليلية لا زالت تشتغل إلى حدود اليوم .

    فهل يعتبر ما أقدم عليه سفير فرنسا بمدريد طعنة في ظهر المغرب ؟ بالتالي على المغرب الرسمي التعامل مع الطعنة بحزم ، أم أنها خطوة سياسية برغماتية تستمد شرعيتها من وثائق التاريخ المتستر عليها ؟ .

    في مقال سابق نشر على الجديدة نيوز منذ حوالي سنتين ، اشرت فيه بشكل تبسيطي الى اشكالية الثغرين شمال المملكة ، و قد قلت حينذاك للمتتبعات و المتتبعين المشككين…. ، بان الاتحاد الاوروبي الذي تجمعنا به اتفاقيات اقتصادية و علاقات سياسية و روابط تاريخية ، حدوده المعترف بها أوروبيا تشمل الثغرين السليبين .

    بل الأنكى و الأدهى من ذلك ، ان الثغرين معا يدخلان ضمن الخرائط العسكرية لحلف شمال الاطلسي ، بالتالي هما مشمولين ببنود تفاقية الدفاع المشترك بين الدول الاعضاء في حلف الناتو ، و ان اي محاولة مغربية لاسترجاع الثغرين سوف تصطدم بالضرورة بهبة جميع دول الحلف نصرة لاسبانيا ، و هذا ما وقع بالضبط بداية العشرية الاولى من سنة 2000 ، عندما حاول المغرب التمركز في جزيرة البقدونس( ليلى) بدعوى محاربة الهجرة و تجارة المخذرات ، و بقية القصة تعرفونها .

    كما لا زالت عالقة بالاذهان فيديوهات افراد الحرس الوطني الاسباني ، و هم يطوقون اليخت الملكي للعاهل المغربي بالمياه الاقليمية لمدينة سبتة ذات صيف ، بينما كان يقضي عطلته الصيفية شمال المملكة نواحي تطوان ، و قد قيل آنذاك بأنهم اشتبهوا باليخت و عندما تيقنوا من شخصية مالكه ، قدمت الحكومة الاسبانية اعتذارا للدولة المغربية و طوي الملف ، لكن ملف الحدود السياسية و الجغرافية للمغرب لا زال مفتوحا يكتنفه الغموض و العديد من الاسرار .

    من بين الاسرار ، امتناع الجارة الشمالية و عدم ابداء رغبتها في التفاوض مع المغرب بشأن ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين ، بخاصة في شقها المتعلق بالمياه الاقليمية للصحراء ، و هي في هذا تنطلق من بنود اتفاقية مدريد الثلاثية بينها و بين كل من المغرب و موريتانيا ، و التي بموجبها تم الاتفاق على تسليم ادارة الساقية الحمراء و وادي الذهب للمغرب و موريتانيا ، و قد وثقت الاتفاقية لدى الامانة العامة للأمم المتحدة اواخر سنة 1975 .

    اتفاقية مدريد وصفتها في مقال سابق بالمشؤومة و اليوم اقول بانها ملغومة ، كيف ذلك ؟ ملغوميتها تنبثق من التركيز على تسليم الادارة و ليس السيادة ، و في هذا خبث و دهاء لم يفطن له المفاوض المغربي ،و شؤميتها تنبعث من قبول المغرب آنذاك، باقتسام الادارة مع موريتانيا في الوقت الذي كان يطالب بالسيادة الكاملة على الصحراء. علامات استفهام كبرى تطرح من قبيل ، كيف لبلد يطالب بكامل حقوقه التاريخية التي سلبها منه الاستعمار الاسباني ذات زمان ، و في الوقت نفسه يقبل باقتسام نفس الحقوق مع غيره ….؟ منطق لا يستقيم منذ بداية الاسترجاع و تبريرات لا يتقبلها ذو عقل سليم و لا لبيب حكيم …

    اخطاء الادارة و غياب الارادة لا زلنا نؤدي اثمانها الباهضة الى اليوم ، ارتباك التخطيط و شوفينية التصور و ضبابية الرؤية ، سوف تؤدي لا محالة الى ما لا نرتضيه و نبتغيه للوطن الجامع ، مغرب جامح كدولة و كنظام و شعب ، و لعل في الارتباك و التخبط الرسمي المغربي ، ما شجع فرنسا على القيام بما قامت به رسميا عبر سفيرها بمدريد ، فهل هي بداية فرنسية لقلب الطاولة في وجه المغرب ؟ لا سيما و نحن على ابواب صراع مرير مع الامم المتحدة و مجلس الامن الدولي فيما له علاقة بنزاع الصحراء ….!

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

وزارة التربية الوطنية تكشف حقيقة تأجيل الامتحان الجهوي للسنة أولى بكالوريا

    نفت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (قطاع التربية الوطنية) ...