غياب المحامي عن المحاكم وأثره على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المواطنين

يطرح استمرار الإضراب الشامل لرجال ونساء الدفاع وسير المحاكمات في غيابهم أسئلة عميقة وشديدة الخطورة حول مدى سلامة المنظومة القضائية وحماية حقوق المواطنين ومآل ضمانات المحاكمة العادلة. إن السير العادي للمحاكم وإصدار الأحكام وتمرير التقديمات أمام النيابة العامة دون حضور المحامي يشكل خرقاً واضحاً لروح الدستور والمواثيق الدولية التي تجعل حق المؤازرة والدفاع عماداً أساسياً لأي منطق قضائي منصف … ويبدأ هذا الضرر المباشر من لحظات التوقيف الأولى داخل مخافر الشرطة والدرك، حيث يحرِم غياب المحامي الموقوفين من التمتع بالحق في الحراسة النظرية السليمة، وإثبات الحالة الصحية، والدفع بالدفوع الشكلية والتعسفية، فضلاً عن حرمانهم من إمكانية المطالبة بالسراح المؤقت بشروط معقولة عند التقديم أمام القضاء … ولا يتوقف الأثر السلبي عند حدود قضايا الجنايات والجنح والمتهمين، بل يمتد ليشمل الضحايا والمشتكين الذين تتوقف مصالحهم وتتأجل قضاياهم لأجل غير مسمى، بالإضافة إلى أصحاب المنازعات المدنية والتجارية والإدارية والأسرية التي تعطلت دورتها الإجرائية. وتؤكد هاته الوضعية المقلقة أن محاولة القضاء الاستمرار في البت والقطع في القضايا في غياب المحامين يكرس انطباعاً خاطئاً وهشاً يرى في الدفاع مجرد عنصر شكلي أو ثانوي، بينما الحقيقة تؤكد أن العدالة بلا دفاع هي عدالة مبتورة تفقد قيمتها ومشروعيتها وتفتح الباب واسعاً أمام الأخطاء القضائية وضياع الحقوق.
ويتعدى هذا الوضع المعقد حدود الإرباك التنظيمي ليمس بالمركز القانوني للمواطن البسيط الذي يجد نفسه مواجهاً لآلة القضاء الجبارة بسلطتها المساطرية والإجرائية دون سند حقوقي أو توجيه قانوني يحميه … فالمحامي ليس مجرد وسيط إداري لنقل الوثائق، بل هو الضامن الميداني لمبدأ تكافؤ الأسلحة بين سلطة الاتهام الممثلة في النيابة العامة والضابطة القضائية من جهة، وبين المواطن الذي غالباً ما يجهل خبايا القانون وتفاصيل المساطر … وإن استمرار المحاكمات وإصدار الأحكام في غياب الدفاع يحول المسطرة القضائية إلى مجرد استيفاء لشكليات ورقية وإفراغ للسجلات على حساب جوهر العدالة، مما يزيد من احتمالية صدى الأخطاء القضائية وصدور أحكام مجحفة تفتقد للتحقيق الشفهي والتواجهي الحقيقي الذي لا يستقيم إلا بحضور الدفاع وممارسته لحقه الكامل في المناقشة والدفع والترافع.
كما ينعكس هذا الشلل القضائي بشكل مباشر على السلم الاجتماعي ومناخ الثقة في المؤسسات، إذ يجد أصحاب الحقوق والضحايا أنفسهم في دوامة تعطل المصالح وتأجيل البت في التعويضات واسترجاع الحقوق السليفة، في مقابل تزايد معطيات الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية نتيجة صعوبة البت في طلبات السراح المؤقت وتفعيل البدائل الإجرائية في غياب المحامين. إن هذا المشهد التأزيمي يعيد طرح السؤال الفلسفي حول ماهية العدالة نفسها، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستغناء عن المحامي أو تغييب دوره تحت أي ذريعة كان، ينزع عن القضاء صفة المرفق الناجز والآمن، ويجعله مجرد آلية إجرائية صماء تغيب عنها روح القانون وضمانات الحقوق والحريات.





