فاتح ماي: مغالطة التسمية بين “ترف العيد” وشقاء “الميدان”
من الناحية الدلالية والواقعية، تبدو تسمية فاتح ماي بـ “عيد الشغل” تسمية قاصرة ومضللة، بل هي نوع من المفارقة التي تفتقر للمنطق؛ فالعيد في تمثلنا الإنساني هو زمن للحبو، والانشراح، والسكينة، وجني الثمار بعد عناء، بينما يحل فاتح ماي على الطبقة العاملة في المغرب والعالم كاستمرار لمعركة نضالية بوسائل ميدانية.
إن العيد يقتضي “الاحتفاء”، لكن ما نشهده في الشوارع هو “اقتضاء” للحقوق، حيث يغادر العمال بيوتهم لا طلباً للراحة أو التنزه، بل لرفع اليافطات وتدبيج الشعارات، وهو ما يحول هذا اليوم من لحظة احتفالية إلى منصة للمساءلة الاجتماعية والمحاكمة العلنية للوعود الحكومية والاتفاقات المعطلة.
إن حصر هذا اليوم في دائرة “العيد” يمثل محاولة لـ “فلكلرة” النضال وتفريغه من محتواه الثوري، فالذي يخرج للتنديد بغلاء المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، وهشاشة الاستقرار الوظيفي، لا يمكن أن يكون في حالة “عيد”.
العيد يُحتفل فيه بالربح والامتلاء، أما فاتح ماي فهو تذكير سنوي بما ينقص العامل من كرامة اقتصادية وعدالة أجرية؛ لذا فإن إضفاء طابع “البهجة” على يوم يعدد فيه الإنسان نقائصه ومعاناته يعد مغالطة لغوية صريحة، تهدف إلى “ترويض” الغضب العمالي وتحويل الصرخة إلى طقس بروتوكولي باهت.
وفي العمق، يكسر فاتح ماي مفهوم العيد الذي يفترض الوحدة والانسجام، ليظهر التصدعات الاجتماعية بوضوح تام، حيث تضع المواجهة السلمية في الميادين الطبقة العاملة في تقابل مباشر مع الرأسمال وسياسات التدبير.
إن الاستبدال المنطقي لمصطلح “العيد” بمفاهيم مثل “يوم اليقظة العمالية” أو “الاحتجاج السنوي” سيكون أكثر إنصافاً للحقيقة، لأن العامل الذي يقضي يومه تحت لهيب الشمس مطالباً بحقوقه الأساسية، لا يشعر ببهجة “العيد” بقدر ما يشعر بثقل المسؤولية تجاه لقمة عيشه المهددة.
إنها “بلاغة احتجاج” بامتياز، تؤكد أن المحرك الحقيقي للتاريخ ليس العطل المؤدى عنها، بل تلك السواعد التي ترفض الاحتفال بالوهم وهي تعيش واقعاً يفرض التغيير لا الاحتفال.





