24 ساعةالواجهةجرائم وحوادث وقضايا

فاجعة الفيضانات بآسفي: عندما يتحول الإهمال إلى انتهاك لحقوق الإنسان

فاجعة الفيضانات بآسفي: عندما يتحول الإهمال إلى انتهاك لحقوق الإنسان

عرفت مدينة آسفي، مساء الأحد 14 دجنبر 2025، فاجعة إنسانية مؤلمة إثر التساقطات المطرية الغزيرة التي تسببت في فيضانات مفاجئة بعدد من الأحياء، خاصة بالمدينة القديمة ومحيط باب الشعبة وسيدي بوزيد، هذه الفيضانات خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وأعادت إلى الواجهة سؤال المسؤولية، وجدوى السياسات العمومية المحلية، وحدود احترام الحق في الحياة والكرامة.

لم تكن هذه الكارثة حدثًا طبيعيًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لتراكم سنوات من الإهمال وسوء التدبير، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية، وشبكات الصرف الصحي، وتهيئة الأحياء الهامشية، فقد كشفت الفيضانات مرة أخرى هشاشة التجهيزات الأساسية، وغياب الصيانة الدورية، وعدم جاهزية المدينة لمواجهة مخاطر طبيعية أصبحت متكررة بفعل التغيرات المناخية.

إن ما تعيشه ساكنة آسفي، خصوصًا الفئات الهشة، لا يمكن فصله عن مظاهر التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وانتشار وحدات صناعية ملوِّثة، ومعامل كيميائية ومطامر للنفايات، لا تستفيد منها الساكنة بقدر ما تجني آثارها السلبية على الصحة والبيئة، فبدل أن تشكل هذه الثروات رافعة للتنمية، تحولت إلى مصدر للأمراض والمخاطر البيئية، في ظل غياب العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي.

وتطرح هذه الفاجعة تساؤلات حقيقية حول دور المجالس المنتخبة والسلطات المحلية في التخطيط الاستباقي، وحول مدى تفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فالمواطن ليس ضحية الطبيعة، بل ضحية سياسات فاشلة لم تضع سلامته وكرامته ضمن الأولويات.

إن الحق في السكن اللائق، والحق في بيئة سليمة، والحق في الحماية من المخاطر، كلها حقوق دستورية وإنسانية، وأي تقصير في ضمانها يعد انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان، ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى فتح تحقيق جدي وشفاف لتحديد المسؤوليات، وتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل الأحياء المتضررة، ووضع حلول جذرية تمنع تكرار مثل هذه المآسي.

كما أن التضامن المجتمعي، رغم أهميته، لا يجب أن يكون بديلًا عن دور الدولة ومؤسساتها، بل داعمًا له، فكرامة المواطن لا تُحمى بالمواساة وحدها، بل بسياسات عمومية عادلة، وتدبير مسؤول، وإرادة حقيقية للإصلاح.

إن فاجعة آسفي ليست مجرد حادث عرضي، بل ناقوس خطر يستدعي وقفة تأمل ومساءلة، حتى لا تتحول الكوارث الطبيعية إلى مآسٍ إنسانية متكررة، يدفع ثمنها دائمًا البسطاء والمهمشون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى