فاس… حين سقطت العمارتان وانكشفت الحقيقة: من يقتل الأبرياء بلا سلاح؟
فاس… حين سقطت العمارتان وانكشفت الحقيقة: من يقتل الأبرياء بلا سلاح؟

بقلم: سيداتي بيدا
لم تكن فاجعة فاس مجرد حادث عرضي، ولا مجرد انهيار عمارتين… كانت لحظة انكشاف صارخ لحقيقة موجعة: أرواح المواطنين تُسحق تحت ركام فسادٍ عمره سنوات، فسادٍ يزدهر حين يغيب الضمير وتختفي المساءلة، وحين يصبح الترخيص سلعة، والمراقبة توقيعاً بلا معنى، وحين يُشيَّد السكن كما تُبنى المصائد.
19 ضحية، بينهم نساء وأطفال ورجال، وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها في مواجهة موت لم يختاروه. لم يذهبوا إلى منطقة حرب، ولم يخاطروا في مغامرة… كانوا فقط داخل بيوتهم. داخل المكان الوحيد الذي ينبغي أن يكون ملاذاً آمناً، فإذا به يتحوّل إلى آلة قتل بطيئة، صامتة، بلا رحمة.
الأدهى أن البناية شُيّدت سنة 2006، أي أن المأساة ليست نتيجة قدم أو اهتراء، بل نتيجة غشّ فاضح، ورشوة مهينة، ومراقبة غائبة، ومسؤولين اختاروا غضّ الطرف بدل حماية المواطن. كيف يمكن لعمارة أن تنهار بعد أقل من عشرين سنة؟ أي مواد استُعملت؟ أي توقيعات مُنحت؟ وأي عقول ظنّت أن مصير البشر أهون من مصالحها؟
هذه جريمة مكتملة الأركان، جريمة لا يعفي مرتكبيها أي تبرير، ولا يغطيها أي خطاب رسمي. من تسبب في موت هؤلاء الأبرياء يجب أن يُحاسب، لا بشكل رمزي أو تجميلي، بل محاسبة صلبة قاسية لا تستثني أحداً: من صاحب المشروع، إلى المهندس، إلى المراقب، إلى كل من أدار ظهره وهو يعلم.
فالذي يوقّع على بناية غير صالحة… يوقّع حكماً بالإعدام على سكانها.
إن الصمت اليوم خيانة، والتهاون مشاركة في الجريمة. فالمواطن المغربي لم يعد يتحمل المزيد من المآسي التي تُصنع داخل المكاتب، لا في الشوارع. لم يعد يقبل أن تتحول مدنه إلى مقابر عمودية تُشيَّد بالتحايل والجشع.
وإن لم تكن هذه الفاجعة كافية لتهزّ الضمائر وتعيد ترتيب الأولويات، فمتى إذن؟
على الدولة أن تتحرك بجدية، لضرب بيد من حديد شبكات الفساد العمراني و تفكيكها، ومراجعة كل رخص البناء، ومحاسبة كل يد ساهمت في هذه الكارثة، بشكل مباشر أو غير مباشر. العدالة هنا ليست مطلباً عاطفياً… بل ضرورة لحماية ما تبقى من الثقة بين المواطن ومؤسساته.
إن أرواح الـ19 ضحية ليست أرقاماً في تقرير، بل صرخة في وجه الجميع:
كفى.
كفى فساداً.
كفى تلاعباً بأرواح الناس.
كفى تحويل المواطنين إلى ضحايا أخطاء كان يمكن منعها.
فاس اليوم تنزف… والمغرب كله يترقب:
هل سنرى يوماً دولة لا يعلو فيها صوت الفساد على صوت الحق؟





