• فاطمة ولهان: قيدومة ‘الغيوانيات’.. المرأة التي حملت مشعل التراث ولم تنصف.

صاحبة المهرجان الغيواني بأصوات نسائية: فاطمة ولهان تناضل من أجل الاستمرار في صمت.
صاحبة المهرجان الغيواني بأصوات نسائية: فاطمة ولهان تناضل من أجل الاستمرار في صمت.
فاطمة ولهان.. بصمة فنية متجذرة وتجربة ‘مطروزة’ بالوفاء تواجه غياب الإنصاف.
فاطمة ولهان… حين تحمل امرأةٌ ذاكرة الغيوان على كتفيها
في زمن تتسارع فيه التحولات الفنية وتتزاحم فيه الأضواء العابرة، تظل بعض الأسماء عصية على النسيان، لأنها لم تبن مجدها على الشهرة السريعة، بل على العطاء الصادق والإيمان العميق برسالة الفن. ومن بين هذه الأسماء المضيئة في سماء الثقافة المغربية، تبرز الفنانة القديرة فاطمة ولهان، باعتبارها واحدة من الوجوه النسائية التي اختارت أن تسلك طريقاً شاقاً، وأن تحمل على عاتقها مسؤولية الدفاع عن التراث الغيواني الأصيل، في وقت كان هذا اللون الفني حكراً على التجارب الرجالية التي صنعت مجده وأرست قواعده.
لقد آمنت فاطمة ولهان منذ بداياتها بأن الأغنية الغيوانية ليست مجرد إيقاعات وكلمات تُؤدَّى فوق الركح، بل هي مشروع ثقافي وفكري وإنساني متكامل، يحمل هموم الناس وينقل نبض الشارع ويعبر عن قضايا المجتمع. لذلك لم يكن حضورها الفني حضوراً عادياً أو عابراً، بل كان حضوراً مؤسساً لتجربة نسائية رائدة استطاعت أن تفرض ذاتها داخل المشهد الغيواني المغربي بكل جدارة واستحقاق.
لقد شكلت تجربة “الغيوانيات” التي أسستها وقادتها فاطمة ولهان محطة استثنائية في تاريخ الأغنية المغربية، لأنها لم تكن مجرد مجموعة موسيقية نسائية تؤدي أغاني الغيوان، بل كانت مشروعاً ثقافياً يحمل رؤية واضحة مفادها أن المرأة المغربية قادرة على أن تكون حارسة للذاكرة الفنية الوطنية، وقادرة على أن تمنح هذا التراث العريق نفساً جديداً دون أن تمس بجوهره أو تفقده روحه الأصيلة.
ومن خلال هذه التجربة الفريدة، استطاعت فاطمة ولهان أن تفتح الأبواب أمام أصوات نسائية عديدة، وأن تمنحها فضاءً للتعبير والإبداع، مؤكدة أن الفن الغيواني ليس ملكاً لجيل أو جنس أو منطقة، بل هو ملك لكل المغاربة الذين يؤمنون بقيم الحرية والكرامة والعدالة والجمال. لقد حملت رسائل الغيوان إلى الأجيال الجديدة بكل وفاء، وظلت حريصة على صيانة الكلمة الهادفة واللحن الأصيل والرسالة الإنسانية التي ميزت هذا اللون الفني منذ نشأته.
وإذا كانت مسيرة فاطمة ولهان الفنية جديرة بالتقدير، فإن مبادرتها بإطلاق المهرجان الوطني للغيوان بأصوات نسائية تُعد إنجازاً ثقافياً كبيراً يستحق أن يُكتب بأحرف من ذهب. فهذا المهرجان لم يكن مجرد موعد فني موسمي، بل تحول إلى فضاء حقيقي للاحتفاء بالتراث الغيواني، وإلى منصة لإبراز الطاقات النسائية المبدعة، وإلى جسر يربط الماضي بالحاضر ويمنح لهذا الموروث الفني العريق فرصة متجددة للاستمرار والتألق.
لقد استطاعت فاطمة ولهان، بفضل إصرارها وعشقها للفن، أن تجعل من هذا المهرجان علامة ثقافية مميزة داخل المشهد الفني الوطني، وأن تؤكد أن المرأة ليست فقط مشاركة في صناعة الثقافة، بل قادرة أيضاً على قيادة المشاريع الثقافية الكبرى وإنجاحها. غير أن المؤلم في هذه المسيرة الغنية هو أن صاحبتها لم تحظ بما تستحقه من دعم واعتراف وإنصاف، رغم سنوات طويلة من البذل والعطاء والتضحية.
فكم من فنانين حظوا بالتكريم والدعم والمؤازرة، بينما ظلت فاطمة ولهان تواصل عملها في صمت، مؤمنة برسالتها، متشبثة بحلمها، ومدافعة عن مشروعها الثقافي بإمكانات محدودة وإرادة استثنائية. ورغم كل ما قدمته للغيوان وللثقافة المغربية، ما زالت تنتظر التفاتة تليق بمقامها وتجربتها ومكانتها داخل الذاكرة الفنية الوطنية.
إن الحديث عن فاطمة ولهان ليس حديثاً عن فنانة فقط، بل هو حديث عن امرأة ناضلت من أجل فكرة، ودافعت عن هوية فنية، وحملت مشعل التراث في زمن كثرت فيه التحديات. إنها نموذج للمبدعة المغربية التي اختارت طريق الوفاء بدل طريق الاستسهال، وطريق البناء بدل طريق الاستهلاك، وظلت مؤمنة بأن الفن الحقيقي رسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة.
ومن هنا، فإن إنصاف فاطمة ولهان ليس مطلباً شخصياً يخص فنانة بعينها، بل هو واجب ثقافي وأخلاقي تجاه تجربة إنسانية وفنية أسهمت في حفظ جزء مهم من الذاكرة المغربية. فالوفاء للمبدعين وهم على قيد الحياة هو أسمى أشكال الاعتراف، وتكريم من خدموا الثقافة الوطنية هو تكريم للثقافة نفسها.
ستظل فاطمة ولهان اسماً مضيئاً في سجل الإبداع المغربي، وصوتاً نسائياً حمل روح الغيوان بصدق وإخلاص، وستبقى تجربتها شاهدة على أن الفن الأصيل لا يموت، وأن الرسائل النبيلة تظل قادرة على عبور الزمن مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأجيال.
إننا اليوم، من خلال هذا المنبر الصحفي، نطلق هذا النداء لتنبيه كل الفاعلين الثقافيين ومؤسسات الدعم بضرورة النظر في حال هذه الفنانة القديرة. إن رحيل الأمهات كسر لا يجبره إلا الإيمان واليقين، ونحن في الجديدة نقف اليوم وقفة رجل واحد لمواساة أختنا فاطمة ولهان في هذا الابتلاء الصامت.
إن إنصاف فاطمة ولهان هو إنصاف للتراث الغيواني نفسه.





