ثقافة وفنون ومؤلفات

“فرسان في هيئة ألوان” التشكيلية فوزية نجحي تُجسد الهوية المغربية بريشة متجددة

شهدت الساحةالتشكيلية مؤخراً محطة فنية مميزة مع عرض أعمال الفنانة التشكيلية فوزية نجحي، حيث استوقفت لوحتها الجديدة المتتبعين والمهتمين بالفنون البصرية بما حملته من قوة رمزية وجرأة لونية، جعلتها تتحول من مجرد عمل جمالي إلى نص بصري مفتوح على قراءات متعددة.

اللوحة، التي جسّدت مجموعة من الفرسان على صهوات جيادهم، لم تُرسم وفق التفاصيل الواقعية، بل ظهرت في هيئة أشباح ملونة تنبض بالحركة. هذا الخيار الأسلوبي يعكس رغبة الفنانة في تجاوز البُعد المادي لصورة الفارس المغربي، لتضعه في مقام الرمز الجمعي الذي يحمل في طياته دلالات البطولة والهوية.

من بين أبرز ما يميز العمل اصطفاف الفرسان في خط أمامي يوحي بالتماسك والانسجام، مقابل التنوع اللوني اللافت في ملابسهم: الأخضر، الأزرق، البرتقالي، الأصفر… وهي ألوان تعبيرية أكثر من كونها طبيعية، ترمز إلى التعدد داخل الوحدة، حيث يشكّل كل فارس لوناً مغايراً، لكن جميعهم ينسجون لوحة منسجمة، كما هو حال المجتمع المغربي في تنوعه الغني ووحدته الراسخة.

الخلفية الممزوجة بين الزهري والأخضر والأصفر تحيل إلى لحظة زمنية فاصلة، أشبه بانتقال بين فجر وغروب، بما يحمله ذلك من إيحاءات بالتحول والنهضة. أما الامتداد الطولي للألوان نحو الأسفل فيعطي الانطباع بظلال أو جذور ممتدة في الذاكرة، وكأن هؤلاء الفرسان ليسوا فقط صورة لحاضر آني، بل امتداد تاريخي يسكن الوجدان الجماعي.

ولعل الأهم أن حضور الفروسية في هذا العمل هو استدعاء للتراث المغربي العريق، خاصة فن “التبوريدة” الذي يمثل الشجاعة، الاحتفال الجماعي، والكرامة. وهنا يتجاوز المعنى مجرد مشهد فرسان إلى استحضار الذاكرة الشعبية والروح القتالية التي شكّلت جزءاً من الهوية المغربية عبر القرون.

هكذا، تؤكد الفنانة فوزية نجحي من خلال هذه اللوحة أن الفن ليس فقط مساحة للألوان والأشكال، بل أفق للتأمل في الهوية والذاكرة والتنوع. فعملها يجمع بين جمالية اللون ورمزية التراث، ليجعل من الفارس رمزاً ومن اللون خطاباً، ومن اللوحة جسراً يصل الماضي بالحاضر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى