فرنسا وحلّ الدولتين : لاهوت البقاء في لحظة الزوال..!

الأسعد البوعزيزي/ تونس.
من يظنّ أنّ الدعوات الأوروبية الأخيرة للإعتراف بالدولة الفلسطينيّة هي ثمرة صحوة ضمير إنساني أو نتيجة ضغط شعبي مباشر إنّما يقرأ المشهد قراءة سطحية تخفي وراءها التاريخ كلّه. فليس من عادة الإستعمار أن يفيق فجأة على نداء العدالة ولا من طبع فرنسا بالذات وهي عاصمة الفكر الصهيوني الحديث وموئل شبكاته الكبرى أن تتحوّل بين ليلة و ضحاها إلى محامية عن حقّ الفلسطيني في وطن. فلنسأل : لماذا فرنسا تحديدًا و لماذا في هذا التوقيت ؟
إنّها المفارقة التي تفضح المخبوء. فالولايات المتّحدة حيث كانت المظاهرات الشعبية أوسع و أقوى و أجرأ في نصرة غزّة لم تتراجع قيد أنملة عن تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل ، بينما نرى فرنسا الأقلّ ضغطًا شعبيًا في هذا الملفّ هي التي تقود الخطاب نحو “حلّ الدولتين” ! هنا ينهار تفسير “الرضوخ للضغوط الشعبية” و يطفو على السطح تفسير آخر : أنّ باريس لا تتحرّك إلاّ حين يطلب منها المركز العميق حيث يختلط السياسي باللاهوتي، وحيث يجلس الأحبار والكهنة الذين يعرفون أنّ العدّ التنازلي لبقاء “إسرائيل” قد بدأ! .
إنّ الحديث عن “حل الدولتين” في هذه اللحظة التاريخيّة ليس براءة ولا مصادفة، بل هو إعادة صياغة شرعية الكيان في ثوب جديد. في الظاهر يُقدَّم كإنصاف للفلسطيني لكن في الجوهر هو اعتراف نهائي بدولة “إسرائيل” و ترسيخ لوجودها قانونيًا و سياسيًا في وقت يعلو فيه الهمس زوالها..!
أليست هذه المفارقة لافتة ؟ لِمَ لم تُطرح هذه المبادرات في الستّينات والسبعينات يوم كان الإحتلال في ذروته والحقّ الفلسطينيّ في أوج وضوحه ؟ لِمَ لم يتحمّسوا لها في التسعينات أو الألفينات ؟ لماذا الآن بالذات حيث تتردّد في خطابات قادة إسرائيليين وخبراء عسكريّين أنفسهم نغمة الزوال، وحيث تُستعاد نبوءات الشيخ أحمد ياسين وغيره من العلماء الذين حدّدوا موعد أفول إسرائيل في أفق العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ؟
الجواب يتّضح : إنّها محاولة لإستباق التاريخ لجرّ القضيّة إلى مسار قانوني يجعل من وجود “إسرائيل” أمرًا طبيعيًا غير قابل للنقض . إنّهم يريدون أن يحوّلوا سؤال الوجود : هل ل”إسرائيل” شرعية أصلًا ؟ إلى سؤال التعايش : كيف تعيش دولتان جنبًا إلى جنب ؟ وهكذا ينقلب جوهر المعركة من معركة التحرير إلى معركة “تقاسم” الأرض، من سؤال الشرعية إلى سؤال الإدارة.
و فرنسا التي تبدو وكأنّها تخرج عن الخطّ الأمريكي، إنّما تؤدّي وظيفتها القديمة الجديدة: خدمة المشروع الصهيوني عبر الواجهة الحقوقية والإنسانية. ليست أمريكا هي أوّل معقل للفكر الصهيوني، بل فرنسا. ففي باريس صاغ مفكّرون يهود في القرن التاسع عشر معالم المشروع، وهناك وجدوا الحماية والمال والشبكات السياسيّة. فرنسا هي التي منحت الحركة الصهيونية غطاءً ثقافيًا وسياسيًا قبل أن تحتضنها بريطانيا بوعد بلفور. و منذ ذلك الحين بقيت باريس الحاضنة الناعمة للمشروع حيث أقلّ صخبًا من واشنطن لكن أعمق تغلغلًا في مؤسساته.
واليوم إذ تتقدّم فرنسا بمبادرة “حل الدولتين” فإنّما تستعيد دورها التاريخي، ولكن في صيغة أخطر! صيغة اللاهوت السياسي حيث يلتقي القرار الدولي مع إرادة الأحبار والكهنة الذين يرون في التسوية غطاءً يحجب ساعة الزوال.
إنّ ما يحدث اليوم ليس إلاّ لاهوت بقاء مغلّفًا بلغة حقوق الإنسان. فرنسا تعرف كما يعرف غيرها أنّ “إسرائيل” في مأزق وجودي، و أنّ الزمن لم يعد يعمل لصالحها. لكنّها بخلاف أمريكا آثرت أن تلبس دور المحامي لتقدّم للعالم صفقة ظاهرها إنصاف الفلسطينيين، وباطنها إنقاذ “إسرائيل”. و من هنا نفهم أنّ الدعوة ليست إلاّ إعادة إنتاج لشرعية الكيان في لحظة تتكاثر فيها الإشارات إلى أفوله.
فليست هذه صحوة أوروبية، بل محاولة يائسة لتثبيت كيانٍ يتهاوى. و ليست هديّة للفلسطيني، بل قيد جديد على حرّيته حيث دولة منقوصة تُمنح له مقابل أن يوقّع على شرعية وجود جلادّه..!





