فقاعات إعلامية

بقلم أبو أيوب

    في سابقة من نوعها و على منهاج التصعيد الممنهج و المصطنع المتبادل , وزير الشؤون الخارجية و التعاون الأفريقي و الجالية المغربية بالخارج السيد بوربطة يستدعي السفير الجزائري المعتمد بالرباط ليطلعه بشكل محتشم على امتعاض المغرب من تصريحات المستشار السياسي للرئاسة الجزائرية ,( تصريحات وصف من خلالها قنصل المغرب المستبعد من وهران بأنه ضابط مخابرات اكتشف أمره و أكدنا على ضرورة استبعاده ” persona non grata شخصية غير مرغوب فيها بلغة الديبلوماسية ” و طويت الصفحة ) و كأني به أستاذ يلمح إلى النقطة و العودة إلى السطر …

    إستدعاء السفير بمفهومي خطوة غير موفقة في بعدها الإستراتيجي وفق ما يحصل في الجوار الإقليمي و الجهوي , و كلنا نعلم أن علاقات دول هذا الجوار مع المغرب ليست على ما يرام :

* إسبانيا مثلا ترفض التفاوض جملة و تفصيلا مع المغرب حول الحدود البحرية جنوب طرفاية , و إلى غاية الساعة لم تبدي أي استعداد التجاوب مع المغرب رغم ما يسوق له عن مثانة العلاقات ……
* الجزائر ، دون نقاش ، موقفها معروف و حدود مغلقة و ترجي رسمي بفتحها و لا زال المترجي يترجى … مقالات عدة نشرت على الجديدة نيوز أوضحت بأن اليد الممدودة ستبقى مبسوطة إلى أجل غير مسمى و هذا تحصيل اللحظة و برهان وهن و ضعف و ليس دليل حكمة و تبصر كما يسوق لها …
* موريتانيا كذلك علاقاتنا معها ليست على ما يرام و ليست وليدة اللحظة , بل يعود تاريخها في بعده الإستراتيجي إلى سنة 1979 , يوم انسحبت موريتانيا من اتفاقية مدريد بشان الصحراء و توقيعها على اتفاق وقف إطلاق النار مع البوليساريو , و الاعتراف بهم كحركة تحرير و الإعلان عن انسحابها من إقليم وادي الذهب و حاضرته الداخلة , هذا ما شكل فيما بعد توطئة للاعتراف بهم كدولة ذات سيادة سنة 1984, و هو الأمر الذي أكد عليه كل الرؤساء الذين تعاقبوا منذ ذلك الحين على الحكم في موريتانيا و لا زالوا إلى يومنا هذا .
رسالة التبريكات للرئيس ولد الغزواني بمناسبة العيد ( للرئيس الصحراوي ) أو تصريحه في أول خروج إعلامي له بعد انتخابه , بأن اعتراف موريتانيا بجمهورية الصحراء هو اعتراف دولة و ليس اعتراف حكومات , بعده الإستراتيجي أيضا يتجلى في رفضها هي الأخرى على شاكلة الموقف الإسباني التفاوض مع المغرب حول الحدود البحرية بالصحراء …, بالتالي لا يعقل و لا يصح القول بأن الرئيس ولد االغزواني أو السابق ولد عبد العزيز قد انقلبوا على المغرب كما يتم التسويق له من فترة لأخرى و هذا في حد ذاته موقف ضعف لا يقل عن سابقه بشأن اليد الممدودة ….
* كذلك فعلت الحكومة المستقلة بجزر الكناري الإسبانية ليبقى مفعول القانونين المغربيين اللذان صادقت عليهما الحكومة و البرلمان و نشرت في الجريدة الرسمية دون سند قانوني دولي و لا يمكن بالمطلق تمريرهما وفق اتفاقية البحار للأمم المتحدة التي تشترط التفاوض قبل كل شيء و من بعد عرض الإتفاق في حالة التوصل إليه على أنظار الأمم المتحدة, بحسب بعض المحللين و أساتذة القانون الدولي …
* قصة البقاء مكتوف الأيدي بعدما تم إرسال التهديد و الوعيد و على لسان أكثر من مسؤول رسمي مغربي للخصم , إن هو تجرأ على الإقتراب مجرد الإقتراب من الحدود , فماذا وقع ؟ صرنا نتعايش مع الخصم و هو يصول و يجول و يتحكم في ثلث الصحراء ثم نغني و نشدو بالإنتصار كما تغنينا بالأمس بأنشودة انتصار حرب الرمال سنة 63 ..!
فأي منطق هذا و بأي مسوغ يسوق ؟ و الغريب في الأمر سرعة هضم القطيع له و الإنبهار به …, أفلا يعد هذا موقف وهن و ضعف أم حكمة و وقار و مبعث افتخار و رجاحة عقل و تبصر ….؟

    أما أمر استدعاء الوزير للسفير من وجهة أخرى, لا يعدو كونه إلا مجرد تسجيل موقف وتكتيك لحفظ ماء الوجه و بدون بعد استراتيجي و لا أفق له , يقول بعضهم , مجمله تخبط و ارتباك و ارتجال واضح المعالم , يقول آخرون, مغلف منمق بتخريجة وردية موجهة للاستهلاك الداخلي لا أقل و لا أكثر, و محاولة للتمظهر بالقوة و الثبات لتبدو الصورة كالمتعامل بالمثل من منطلق سيادي , فأين تجلت السيادة من تغريدة السفيرة الفرنسية بشأن النموذج التنموي الجديد ؟ يقول طرف ثالث .

    سياديته تبرز من خلال القول بأن المغرب هو من بادر إلى سحب قنصله كما جاء على لسان الوزير بوريطة الذي عدد مناقب القنصل و فصل سيرته الذاتية و … مفنذا في نفس الوقت كل ما جاء على لسان المسؤول الجزائري , شأنه في هذا كشأنه في قصة استبعاد المغرب كليا من ملف ليبيا و إقبار اتفاق الصخيرات بحضور أممي في قمة برلين و جنيف و الجزائر و الكونغو برازافيل و القاهرة بالأمس و في المقبل من الأيام……

    و رغم هذا يبقى حب التمظهر و التمسك به , يدفع الديبلوماسية المغربية إلى التمسك بقشة المشاركة في ظل الإستبعاد , كمحاولة لإثبات الذات أمام الداخل و لا شيء آخر معني بها سوى الجبهة الداخلية , التي تظل سوقا استهلاكية لكل ما يقدم لها من أخبار , أي قطيع أو عجين مطواع قابل للتطويع “Pâte à modeler “, أما خارجيا فهي بدون صدى يذكر ….

    مواقف الضعف هذه تدفع الديبلوماسية المغربية إلى انتهاج سياسة البهرجة” الطبل و الغيطة” محدودة مفاعيلها في الزمكان , بدل انتهاج سياسة لفراجة ” تحقيق أهداف بعيدة المدى ” , و هي في هذا تبدو للجوار كالمهرج فوق الخشبة , بهلواني يضحك و يعيد نفس الحركات البهلوانية في كل المسارح , مما يحدث تأثير لحظي سرعان ما خفت بريقه و لمعانه , و هذا ما لاحظناه في مجمل الخرجات الديبلوماسية المغربية و مفاعيلها في الجوار الإقليمي و الجهوي , يقول رابع , إذ سرعان ما تخفت و تختفي ثم تنتهي صلاحيتها …

    أما كان من الأحرى تجاهل تصريح المستشار على شاكلة تجاهل تغريدة السفيرة ؟ يتساءل أحدهم …., تجسيدا للبيت الشعري ” إذا جاءتك مذمتي من ناقص فتلك الشهادة لي بأني كامل , أم أن كل زلة تتبعها أخريات…؟ و إلى زلة أخرى….. طاب مساكم .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة ...