24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

فنّ المسافات… حكمة غائبة في زحام الحياة

فنّ المسافات… حكمة غائبة في زحام الحياة

في عالمٍ يزداد ازدحامًا بالبشر والمشاعر والتوقعات، يغيب عن كثيرين إدراك حقيقة بسيطة لكنها عميقة: ليس كل اقترابٍ دليلَ محبة، ولا كل بُعدٍ علامةَ جفاء، فبعض الأشياء – وربما بعض الأشخاص – يكونون أجمل من بعيد، وأصدق أثرًا حين نحافظ على مسافة آمنة بيننا وبينهم.

لقد علّمتنا الكتابة درسًا بالغ الدلالة؛ فالكلمات لا تُفهم إلا إذا تركنا بينها مسافات واضحة، وإلا تحولت إلى كتلة غامضة بلا معنى، وعلّمتنا قوانين المرور أن ترك مسافة بيننا وبين السيارة التي أمامنا ليس ترفًا، بل ضرورة تمنع الاصطدام وتحفظ الأرواح، وهكذا هي الحياة تمامًا؛ فهي الأخرى تحتاج إلى مسافات مدروسة بيننا وبين الآخرين حتى لا نصطدم بهم نفسيًا أو عاطفيًا.

لكل إنسان عيوبه الخاصة، وأشواكه التي قد لا تظهر من الوهلة الأولى، قد يبدو الآخرون لطفاء وبسطاء من بعيد، لكن الاقتراب الزائد قد يكشف تفاصيل لا نحتمل وخزها، لا لأنهم سيئون، بل لأن المسافة لم تكن مناسبة، فالقرب الشديد أحيانًا يحمّل العلاقات أكثر مما تحتمل، ويحوّل المودة إلى توتر، والاهتمام إلى عبء.

إدارة المسافات ليست قسوة، بل وعي،  وليست هروبًا، بل احترامًا متبادلًا حتى أقرب الناس إلينا – الأبناء، الأقارب، الأصدقاء – يحتاجون إلى مساحة يتنفسون فيها، كما نحتاج نحن، فالعلاقة الصحية لا تُقاس بكمية القرب، بل بجودة التوازن.

ولعل أعظم درس نتعلمه من هذا الكون الفسيح هو أن النظام قائم على المسافات، فالكواكب لا تتصادم لأنها تحترم مواقعها، وسيرها الدقيق شاهد على عظمة الخالق وحكمة التوازن، ولو اختلت المسافات، لاختل النظام كله.

إن فنّ المسافات مهارة لا يتقنها الجميع، لكنها ضرورة لكل من يبحث عن علاقات مستقرة وحياة هادئة، أن تكون قريبًا دون أن تختنق، وبعيدًا دون أن تنقطع، هو جوهر النضج الإنساني، فاضبط مسافاتك، لتحافظ على جمال الأشياء في عينيك، وعلى سلامك الداخلي في قلبك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى